الزلازل لا تقتل... بل المباني
زلزال توهوكو الذي ضرب شرق اليابان في مارس 2011 كان عنيفاً وبلغت قوته 9 درجات على سلم ريختر. وقد كان قوياً بما يكفي لتقريب جزء من اليابان إلى الولايات المتحدة، ولزحزحة محور كوكب الأرض عن مكانه. وقد تسبب في إرسال موجات زلزالية مدمرة عبر العالم بسرعة 7 آلاف كيلومتر في الساعة وأكثر، كما تسبب في أمواج المد البحري العاتية أو التسونامي. غير أن الزلزال لم يقتل سوى 230 شخصاً.
وفي يناير 2010، ضرب زلزال بقوة 7 درجات على سلم ريختر العاصمة الهايتية بوينت أويرانس. ورغم أن الدرجة السابعة هي أصغر من الدرجة التاسعة بمئة مرة؛ فإن زلزال هايتي الذي قتل نحو 316 ألف شخص، يعتبر ثاني أكثر زلزال تدميراً في تاريخ البشرية الحديث. وحسب المركز الجيولوجي الأميركي، فإن الزلزال تسبب أيضاً في تدمير أكثر من 97 ألف منزل وتضرر أكثر من 188 ألف منزل آخر. وبعد ذلك بنحو شهر، ضرب زلزال عنيف بقوة 8?8 سواحل الشيلي وحرك أجزاءً من قشرة الأرض بما يصل إلى 10 أمتار. وقد كان واحداً من أعنف الزلازل في التاريخ وأدى إلى مقتل 521 شخصاً. والواقع أن الشيلي ليست بلداً غنياً، مثل اليابان أو كاليفورنيا أو نيوزيلاند، إلا أن سكانها يعرفون ما ينبغي توقعه، كما أن منازلها بُنيت لتصمد في وجه الزلازل وتقاومها. أما هايتي فهي واحدة من أفقر البلدان في العالم، ولها سجل مشهور في سوء الحكامة، وسكانها يكتظون في مبان غير آمنة مبنية على أرض غير مستقرة.
وفي هذا الكتاب الذي نعرضه هنا، ويحمل عنوان "زلزال المليون قتيل"، يقول عالم الجيولوجيا والزلازل البريطاني روجر ماسون، إن إحدى عشرة من المدن الخمس عشرة الأكبر في العالم توجد في العالم النامي. ويتوقع أنه في يوم ما ستجتاح الموجات الزلزالية مدينةً تضاعف حجمها خلال الثلاثين عاماً الأخيرة -مدينة كبيرة يستولي على أصحاب العقارات فيها الجشع وحيث يمكن شراء مفتشي المباني من خلال الرشى- وسيموت أكثر من مليون شخص. غير أن ذلك لن يحدث لأن الزلازل صارت أكثر حدوثاً، يقول الكاتب، ولكن لأن سكان الكوكب يتزايدون بواقع 80 مليون نسمة كل عام، لاسيما في مدن العالم النامي. أما الأشخاص المعرضون للخطر أكثر من غيرهم، فهم مليارا شخص الذين يعيشون بأقل من دولارين في اليوم، فالخطر هو نفسه، لكن عدد الضحايا المحتملين سيتضاعف ثلاث مرات خلال دورة حياة واحدة.
والواقع أن "زلزال المليون قتيل" كتاب قيم ومفيد من عدة نواح، وذلك لأن الأشخاص الذين ليست لديهم خلفية معرفية حول علوم الأرض يستطيعون فهم كل كلمة وردت فيه، ولأن مؤلفه هو رئيس أخطار الزلازل في المركز الجيولوجي البريطاني ويعتبر مرجعاً في هذا الموضوع؛ كما أنه أمضى معظم مسيرته المهنية في شرح الزلازل للصحفيين والإعلاميين، والأهم من ذلك كله أن كتابه يمكن أن ينقذ أرواحاً.
وتعتبر الزلازل حقيقة من حقائق الحياة. وقد تكون محتومة ولكنها غير قابلة للتنبؤ، بمعنى أن المرء لا يستطيع أن يأمل في تحذير الناس بمغادرة هذه المدينة أو تلك، في اليوم الفلاني. ورغم التقدم المذهل الذي عرفته علوم الأرض خلال العقود الخمسة الماضية، فإنه مازال من الصعب وصفها. فطاليس وآرسطو وسينيكا جميعهم حاولوا فهم هذه الظواهر الطبيعية، وكذلك فعل عالم الكيمياء روبرت بويل، وعالم الفلك جون فلامستيد والفيلسوف كانط. لكن العلماء لم يشرعوا في فك لغزها حتى زلزال سان فرانسيسكو 1906.
ومما يحسب للمؤلف أنه يحيط بكل جوانب الموضوع ويعرف كيف يشرح للقارئ هذه الظاهرة الطبيعية بلغة بسيطة، والأسباب التي تفسر انهيار المباني، حتى في كاليفورنيا. وفي الختام، سيتعلم القارئ ألا يسأل عن مقياس ريختر، لأنه سيفهم أن القوة ليست سوى مقياس واحد لزلزال ما، وأنها ليست دائماً مقياساً مفيداً في ذلك. كما سيتعلم أن البحث في مجال الزلازل لم يصغ ملامح فهمنا لسطح الكوكب فحسب، وإنما لبنيته وباطنه أيضاً. ولعل الأهم من ذلك كله أنه سيدرك أن الزلازل لا تقتل الناس، وإنما مكاتبهم ومصانعهم ومنازلهم هي التي تقتل. وفي ذلك رسالة واضحة لمن يهمهم الأمر.
محمد وقيف
الكتاب: زلزال المليون قتيل
المؤلف: روجر ماسون
الناشر: بالجرايف ماكميلان
تاريخ النشر: 2012