التجار والمسؤولية الاجتماعية
نحن وبفضل من الله نعيش في دولة تؤمِّن البيئة المثالية لتجار ورجال الأعمال والشركات والمؤسسات التجارية والاقتصادية بمختلف أنواعها. فهذه المؤسسات تمارس نشاطاتها بكل أريحية، ووفق هامش ربح لا يتحقق لها في أي مكان آخر في العالم، ومن دون ضرائب تفرض، أو قانون يجبرها على تحمل مسؤولياتها الاجتماعية، مع توفير كل سبل النجاح، حتى أصبحت الدولة ومن دون أي مبالغة أرض الأحلام لكل من يفكر في تأسيس شركة تجارية ناجحة أو استثمار ومضاعفة رؤوس أمواله أو تحقيق معدلات نمو غير مسبوقة. والسبب في ذلك يعود إلى توافر البنى التحتية والخدمات التي قلما تجدها في أي بيئة استثمارية في العالم، وإنفاق الحكومة مبالغ ضخمة في مشاريع الأمن والسلامة حتى أصبحنا نحسد من القريب والبعيد على التطور الملموس في هذه الجوانب والذي يواكب آخر ما توصل إليه العلم والتطور.
والدولة، بصورة عامة، سوق رائدة يأتيها السياح ورجال الأعمال والمستثمرون من كل أقطار العالم، ولمعظم الشركات العالمية فروع فيها، وذلك لتوافر القوانين والنظم التي تكفل حقوق المستثمرين ورجال الأعمال، بل تقف بجانبها ودفعها لتحقيق النجاحات حتى أصبحنا منافساً حقيقياً يسحب البساط تدريجياً وبثقة من هيمنة الدول الكبرى في جذب الاستثمارات، وأصبحنا بالإحصائيات الموثقة من أهم الأسواق الاستثمارية الناشئة في العالم.
تلك الإنجازات والمعطيات لم تأت من فراغ. وفي دولة بها أكثر من 50 ألف مليونير وشركات ناجحة لا تعد ولا تحصى تمارس أعمالها في أوضاع مثالية، يأتي بكل تأكيد دور مهم يجب أن يلعبه التجار ورجال الأعمال والشركات المحلية والعالمية الكبرى في دعم وإنشاء مشاريع المسؤولية الاجتماعية.
ويجب أن تكون برامج المسؤولية الاجتماعية للمجتمع ليست عبأ على الشركات، بل يجب أن تنظر إليها كواجب يمليه عليها دورها في المساهمة في التنمية الاقتصادية، وكشكل من أشكال ردّ الجميل للمجتمع الذي أسهم في تطور أعمالها ومضاعفة أرباحها.
فمن منظور اقتصادي إسلامي تعتبر المسؤولية الاجتماعية زكاة مستحقة وواجبة على التجار المسلمين، ولكن في واقع الأمر، المسألة ليست صدقة أو تفضل فقط، وإنما حق مشروع للدولة والمجتمع مقابل ما قدمته الدولة من خدمات وضمانات وبيئة مثالية لتلك المؤسسات ضمن نطاق الاقتصاد الحر المفتوح.
والمسؤولية الاجتماعية هي التزام من أصحاب النشاطات التجارية بالمساهمة في التنمية المستدامة من خلال العمل مع موظفيهم وعائلاتهم والمجتمع المحلي والمجتمع ككل لتحسين الظروف المعيشية بأسلوب يخدم التجارة ويخدم التنمية في الدولة في آن واحد بما لا يضر مصالح المجتمع والبيئة ويعزز الاقتصاد الوطني، وإنْ كان عملاً تطوعياً بسبب اعتبارات أخلاقية واجتماعية تعتمد على المبادرات الحسنة من الشركات دون وجود إجراءات ملزمة قانونياً، ولكنها يجب أن تتحقق من خلال الإقناع والتعليم وإدراج الشركات لمعايير المسؤولية الاجتماعية ضمن استراتيجياتها وتخصيص قسم متخصص يقوم بالتأكد من المساهمة الإيجابية للشركة في خدمة المجتمع.
وبمقدور الجهات المتخصصة بالدولة تطوير مؤشر وطني للمسؤولية الاجتماعية للتجار والشركات يقوم على احترام الحقوق سواء للإنسان أو للعمال أو للبيئة والمجتمع بصورة عامة ومدى مساهمته في التنمية وتبني مشاريع مجتمعية مستدامة، بالإضافة لتوافر الشفافية أو الإفصاح بالدرجة الكافية المطلوبة لإدراج رجال الأعمال والشركات المختلفة في هذا المؤشر.
وإذا كانت الرسالة للشركات العالمية هي دعوة مفتوحة للتذكير بواجبها نحو الدولة التي تمارس فيها بكل حرية وشفافية نشاطها التجاري، فإن الرسالة الموجهة للتجار المحليين الذين لا يلتزمون بمسؤوليتهم الاجتماعية والشركات المحلية المقصرة منها بمختلف أنواعها، هي أنكم تعيشون في دولة حضارية تقودها حكومة عصرية لا تتدخل في حرية التجارة، وإنما تضع قوانين منظمة لها، وتكفل انسيابيتها، وهو المعمول به في كل دول العالم المتقدمة اقتصادياً، ولكن نذكركم أن لوطنكم عليكم حق، والمسؤولية الاجتماعية واجب وطني وجزء مهم من المواطنة، وأن الإجحاف الذي يتعرض له الناس من ارتفاع في الأسعار وتكاليف الحياة بسبب جشع التجار، وما يتعرضون له من تلوث بيئي وارتفاع لمعدلات الأمراض والتهديدات الصحية من العمليات الصناعية، وما يتبقى من فضلات الإنتاج، والذي يهدد البيئة البحرية والبرية ونوعية الهواء... كل ذلك يدعونا إلى البحث عن أدوار تكاملية وأدوات رقابة ذاتية من داخل أروقة تلك الشركات لضمان سلامة المسيرة بجانب المعايير المتوافرة لمراقبة الممارسات الخاطئة والتي تبذل من خلاله الجهات الحكومية المعنية مجهودات جبارة. ولكن اليد الواحدة لا تصفق خاصة إذا لم تأت المسؤولية من داخل تلك الشركات والقائمين عليها. فإذا أخذت شركة ما مشروعاً، وحولت العقد بموجب عملية تعهيد لشركة أخرى، فإنها لا تخلي من المسؤولية اتجاه مجتمعها، ولتوضع معايير وطنية لعملية التعهيد للحد من إيقاع الأضرار المتوقعة.
لقد لعبت الشركات الوطنية دوراً في بناء المجتمعات المتقدمة، وذلك من منطلق تحملها لدورها في المسؤولية الاجتماعية كمؤسسات ربحية... وتصدر في تلك المجتمعات تقارير سنوية عن حالة تنافسية المسؤولية الاجتماعية، وتوجد حملات توعية كبيرة ودليل مساهمة القطاع الخاص والشركات الحكومية وشبه الحكومية في المسؤولية الاجتماعية.
فمن المشاريع الخيرية النوعية إلى بناء الجامعات والمستشفيات إلى دعم البحث العلمي، تبذل جهود رائعة تعظم أرباحها لا تقف عائقاً لنموها، بل على النقيض تعزز القيمة الإسمية للشركة التي تتمتع بسجل حافل في مشاريع المسؤولية الاجتماعية ووجود عدد كبير من الشركات الوطنية الرائدة إقليمياً يدعونا للحلم بكيان استثماري للمسؤولية الاجتماعية للمؤسسات التجارية يتبناه أحد البنوك الوطنية الرائدة، ليكون التوجه هو نشر ثقافة التمكين والاعتماد على النفس بدل ثقافة إعطاء الهبات والتبرعات الخيرية والاعتمادية.
وبما أن اقتصادات الدول المتطورة تهتم بالمؤسسات الصغيرة في دعم عجلة الاقتصادات الوطنية، فمساهمة كل الشركات الوطنية وغيرها على أرض الإمارات في هذا الصندوق لدعم المشاريع الوطنية التنموية ومشاريع الشباب والأسر المحتاجة والمبدعين والمخترعين، سيعود بالعائد المادي المناسب على الشركة المتبرعة والشخص المستفيد من ذلك الدعم.
ومن جهة أخرى، يجب دعم البحث العلمي ليعود بالنفع على المجتمع ومشاريع تلك الشركات لتدوير أكثر فعالية لعجلة الاقتصاد المتجدد ذاتياً.