يحمل مصطلح الهندسة الاجتماعية (Social Engineering) في طياته معنيين أو مفهومين مختلفين، الأول أمني، والثاني سياسي اجتماعي. المفهوم الأول، أو الأمني، يشير إلى التأثير على الآخرين، والتلاعب بهم، لغرض دفعهم للكشف عن معلومات شخصية. ومثل هذا الاستخدام للهندسة الاجتماعية، يندرج تحت ما يعرف بخدعة أو حيلة الثقة، بمعنى اكتساب ثقة الطرف الآخر، ثم خداعه والتحايل عليه، للحصول على بيانات مهمة، للنصب، أو لغرض اختراق أجهزة الكمبيوتر الشخصية، أو المهنية المستخدمة في جهات العمل. وتختلف هذه العملية عن عمليات النصب المعتادة في كون الهندسة الاجتماعية هنا هي مجرد خطوة، ضمن عدة خطوات معقدة، لتنفيذ عملية الاحتيال النهائية. ولذا على رغم أن الترجمة الحرفية والشائعة للمصطلح الإنجليزي هي «الهندسة الاجتماعية»، إلا أن الترجمة الأفضل -والأطول- ربما تكون «اكتساب ثقة المستخدم لغرض النصب الإلكتروني». ومن المؤكد أن اكتساب ثقة الضحية لغرض التحايل أو النصب، كان دائماً مكوناً أساسياً من هذه العملية الإجرامية، إلا أن بزوغ فجر ثورة المعلومات خلال السنوات الأخيرة، وانتشار استخدام أجهزة الكمبيوتر الشخصية بشكل واسع، والاعتماد على اسم المستخدم وكلمة السر كصمام الأمان الأساسي لحماية الأسرار والوثائق الشخصية، والنقود وحسابات البنوك والممتلكات، جعل من اكتساب ثقة المستخدم لغرض التحايل، وارتكاب جرائم النصب الإلكتروني، جزءاً من الحياة اليومية في العصر الحديث، حيث يمكن أن تنفق الشركات، والهيئات، والبنوك، مئات الملايين من الدولارات على إجراءات وتدابير الأمن، لتنهار جميع هذه الإجراءات والتدابير أمام عملية هندسة اجتماعية محترفة ومنفذة بدقة، تستهدف المستخدم النهائي. فالمعروف في عالم الأمن الإلكتروني أن العامل البشري هو أضعف نقطة في خط الدفاع أمام الجرائم الإلكترونية، وهو ما لخصه «كيفين متنيك» (Kevin Mitnick) أحد أشهر «الهاكر» أو القراصنة السابقين، وخبير الأمن المعلوماتي حالياً، بقوله إنه من الأسهل هندسة مستخدمي نظام ما اجتماعياً، للحصول على أسماء المستخدمين، وكلمات السر، بدلا من محاولة اختراق النظام المستهدف عبر طرق القرصنة الأخرى. أما المفهوم الآخر -والأصلي- لمصطلح الهندسة الاجتماعية، فيشير إلى فرع من فروع العلوم الإنسانية، يُعنى بدراسة وتطبيق الإجراءات والتدابير الهادفة إلى التأثير على مجمل السلوك الاجتماعي، ونمط الحياة والتفكير، للمجتمع برمته، حيث يسعى المهندس الاجتماعي -سواء كان جهة حكومية أو خاصة- في هذه الحالة، إلى تغيير سلوك الأفراد، وطريقة تصرفهم، وأسلوب تفكيرهم، لتحقيق غرض محدد مسبق. وتعتمد جهود الهندسة الاجتماعية في هذه الحالة على الأساليب العلمية المتعارف عليها في تجميع البيانات، وتحليلها، والوصول لاستنتاجات محددة، والخروج بتوصيات واضحة قابلة للتنفيذ والتطبيق العلمي. وعلى رغم الجذور السياسية والاجتماعية لمفهوم الهندسة الاجتماعية، إلا أنها أصبحت تلقى اهتماماً متزايداً من قبل العاملين في المجال الصحي، وخصوصاً المعنيين بالوقاية من الأمراض المزمنة، في ظل حقيقة أن هذه الطائفة من الأمراض أصبحت مسؤولة عن حوالي 35 مليون وفاة سنوياً، أو ثلثي إجمالي الوفيات البشرية السنوية، وهي الوفيات التي كان من الممكن تجنب 40 في المئة منها من خلال جهود الوقاية الموجهة ضد عوامل الخطر التي تزيد من احتمالات الإصابة مثل التدخين، والغذاء غير الصحي، وعدم ممارسة الرياضة والنشاط البدني، وتعاطي المخدرات، وشرب الكحوليات. ولتقريب الصورة عن كيفية تطبيق مفهوم الهندسة الاجتماعية في خفض الوفيات الناتجة عن الأمراض المزمنة غير المُعدية، يمكن أن نأخذ مثال فرض ضرائب مرتفعة لجعل منتجات التبغ باهظة التكلفة، أو منع التدخين في الأماكن العامة، والمواصلات، والمدارس، والمستشفيات، أو طباعة صورة مخيفة للأمراض التي تنتج عن التدخين على علب السجائر، كأحد المجالات التي أصبح مفهوم الهندسة الاجتماعية يطبق فيها بقوة. وحتى فرض غرامات على من لا يرتدون حزام الأمان أثناء القيادة، أو تجهيز السيارات الحديثة بصوت إنذار مستمر لا يتوقف أو ينقطع في حالة عدم استخدام حزام الأمان، يعتبر مجالاً آخر لتطبيق مفهوم الهندسة الاجتماعية، لغرض الوقاية من الإصابات والوفيات التي تنتج عن حوادث المرور. وتتعدد المجالات التي أصبحت الهندسة الاجتماعية تلعب فيها دوراً مهماً في قضايا الصحة العامة مثل حملات التشجيع على الرضاعة الطبيعية، أو توفير الأماكن والمتنزهات العامة لغرض ممارسة الرياضة والنشاط البدني، أو للحصول على الاحتياجات الكافية من فيتامين(د). وفي الآونة الأخيرة تزايدت الدعوات لفرض ضريبة إضافية، تعرف بضريبة الدهون أو السكريات (Fat Tax) على الأطعمة غير الصحية المحتوية على نسب مرتفعة من الدهون أو السكريات، على أن يستخدم ريْعها لدعم أسعار الأغذية الصحية مثل الخضراوات والفواكه، إلا أن هذه الجهود قد تعرضت لعدة انتكاسات مؤخراً. وفي ظل وضوح فشل الأساليب الطبية المعتمدة على الأدوية والعقاقير في مكافحة الأمراض المزمنة غير المعدية، وبناء على حقيقة أن نمط السلوك الشخصي وأسلوب الحياة غير الصحي، يعتبران من أهم عوامل الخطر خلف احتمالات الإصابة بغالبية هذه الأمراض، بما في ذلك السمنة، وأمراض القلب والشرايين، والسكري، وحتى الأمراض السرطانية، يتوقع لما يمكن أن نطلق عليه «الهندسة الاجتماعية لأغراض صحية» أن تلعب دوراً متزايداً في المستقبل في خفض الإعاقات، والوفيات، ومجمل العبء المرَضي الناتج عن هذه النوعية من الأمراض.