في نطقه بحكم المحكمة، قال قاضي الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة، جان كلود انتونيتي: «إن المحكمة تؤكد بالإجماع إدانتكم»، وهو يشير بذلك إلى الرئيس السابق لكروات البوسنة يادرانكو بريليتش الذي كان ملاحقاً لإنشائه مجموعة إجرامية ومشاركته في أنشطتها خلال سنوات الحرب الأهلية في البوسنة، «من أجل إخضاع مسلمي البوسنة وآخرين من غير الكروات، سياسياً وعسكرياً». وبموجب ذلك الحكم فقد قضت المحكمة، يوم الأربعاء الماضي، بالسجن 25 عاماً بحق بريليتش، وبمدد أقل على خمسة مسؤولين آخرين كانوا يتبعون له. وبريليتش هو سياسي كرواتي من البوسنة والهرسك، وأحد ستة مسؤولين كروات متهمين من قبل المحكمة الجنائية الدولية بارتكاب جرائم في جمهورية البوسنة والهرسك. وقد ولد في عام 1959 بمدينة داكوفو في جمهورية كرواتيا الاشتراكية، وتخرج من كلية الاقتصاد بجامعة موستار في البوسنة والهرسك، ثم حصل على شهادتي الماجستير والدكتوراه من جامعة سراييفو. وعمل بريليتش لبعض الوقت رئيساً للمجلس التنفيذي لمدينة موستار، ثم أصبح في عام 1989 نائب رئيس الحكومة المحلية لجمهورية البوسنة والهرسك، قبل أن يترأسها في نهاية عام 1990. وفي مايو 1992 أصبح رئيساً لـ«مجلس الدفاع الكرواتي»، وقد عيّنه في هذا المنصب «ماتي بوبان» الذي كان أول وآخر رئيس لـ«جمهورية الهرسك والبوسنة» التي أعلنها الكروات من جانب واحد بين عامي 1991 و 1995، وكان ذلك المجلس بمثابة إدارتها التنفيذية والعسكرية والإدارية العليا. ولدى قيام «جمهورية الهرسك والبوسنة» في أغسطس 1993 أصبح بريليتش رئيساً لوزرائها، وإن بقيت أغلب مهامه كما هي دون تغيير. ثم عمل منذ يونيو 1994 نائباً لرئيس الحكومة ووزير الدفاع في جمهورية البوسنة والهرسك، وذلك بموجب اتفاق إسلامي كرواتي، قبل أن يصبح وزيراً للخارجية من يناير 1996 وحتى فبراير 2001. لكن في 4 مارس 2004، وجهت إلى بريليتش تهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية في البوسنة والهرسك، وذلك من طرف المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة. وبعد شهر من ذلك التاريخ، سلّم نفسه طواعية للمحكمة في لاهاي، وبدأت محاكمته في 26 أبريل 2006 مع خمسة آخرين من كبار المسؤولين العسكريين والسياسيين في كروات البوسنة والهرسك، هم بريليتش برالياك، وبرونو ستوييتش، وميليفوي بيتكوفيتش، وفالنتين كوريتش، وبيريسلاف بوشيتش. ووفقاً للائحة الاتهام فقد شارك بريليتش في أعمال إجرامية بين نوفمبر 1991 وأبريل 1994، ضد مسلمي البوسنة والهرسك بهدف تهجيرهم ونشر الذعر بينهم، خاصة في مدينة موستار التي كانت أحد رموز التعدد العرقي والتعايش السلمي بين طوائف البوسنة والهرسك قبل الحرب. وكانت البوسنة والهرسك جزءاً من يوغسلافيا الاتحادية منذ قيامها عام 1945، إلى جانب خمس جمهوريات أخرى هي: صربيا، ومقدونيا، والجبل الأسود، وكرواتيا، وسلوفينيا. لكن إعلان الأخيرتين انفصالهما عن الاتحاد في عام 1990، وضع البوسنة والهرسك والشعوب الثلاثة المكونة لها في موقف حرج؛ إذ كان الصرب (أرثوذكس ويشكلون 33 في المئة من مجموع السكان) يؤيدون البقاء ضمن الاتحاد اليوغوسلافي، بينما يطالب البوشناق (سلاف اعتنقوا الإسلام إبان الحكم العثماني ويشكلون 44 في المئة) والكروات (كاثوليك يشكلون 18 في المئة) بإعلان استقلال الجمهورية. وقد أعلن الصرب قيام «المجلس الوطني لصرب البوسنة والهرسك» في أكتوبر 1991، مما أنهى التعاون العرقي الثلاثي الذي حكم البلاد في أعقاب انتخابات 1990، ثم أعلنوا في يناير 1992 «جمهورية صرب البوسنة». وكان الكروات قد أعلنوا من جانبهم، في نوفمبر 1991، إنشاء «المجتمع الكرواتي للبوسنة والهرسك»، وهو كيان منفصل سياسياً وثقافياً واقتصادياً بكامل أراضيه عن إقليم البوسنة والهرسك وله جيش يسمى «مجلس الدفاع الكرواتي». وبينما قام الصرب في شرق الإقليم، عقب إعلان استقلال جمهورية البوسنة والهرسك، بمهاجمة مناطق عدة تقطنها أغلبية مسلمة، سعى الكروات في الغرب إلى تأمين السيطرة على أكبر مساحة ممكنة من الأراضي. وبذلك أضحى المسلمون البوشناق هدفاً سهلا للصرب في الشرق والكروات في الغرب، وكانوا المجموعة العرقية الوحيدة الموالية للحكومة البوسنية، لكن قوات الحكومة كانت سيئة التجهيز وغير مهيئة للحرب. وقد قامت القوات الصربية بنهب وإحراق منازل وممتلكات البوشناق بصورة منهجية، وبتجميع المدنيين من مسلمي البوسنة أو القبض عليهم، فتم احتجاز الكثير من الرجال في مخيمات، فيما كان يتم الاحتفاظ بالنساء داخل مراكز اعتقال وسط ظروف قاسية وغير صحية، يتعرضن فيها لأسوأ المعاملات. وكانت مأساة حصار سيبرينتشا عنواناً يلخص أربع سنوات من الممارسات الصربية ضد البوشناق. لكن أنظار التاريخ لم تغب عن نوفي ترافنيك وغورني فاكوف، حيث كان «مجلس الدفاع الكرواتي» يعمل على زيادة قوته، ويمعن في تحطيم المؤسسات الرسمية للبوسنة والهرسك، ويواصل طرد اللاجئين المسلمين، ويستمر في هجماته ضد السكان من غير الكروات. وقد ازداد الوضع خطورة عندما هاجمت قوة كرواتية تجمعاً للبوشناق في قرية بروزور. وحسب لوائح الاتهام ضد بريليتش، فإن «مجلس الدفاع الكرواتي» تحت قيادته قام في عام 1992 بعملية تطهير عرقي للمسلمين في تلك القرية والقرى المحيطة بها. لذلك قال القاضي «انتونيتي» في الحكم الصادر يوم الأربعاء الماضي إن المقاتلين التابعين لـ«مجلس الدفاع الكرواتي»، قد عمدوا إلى محاصرة وطرد المسلمين في بروزور وفي غرب موستار، ومنعوا مرور المساعدات الإنسانية، فـ«اضطر السكان للعيش في ظروف بالغة الصعوبة، محرومين من الماء والغذاء والكهرباء والدواء». وكما ذكر القاضي، فإن بريليتش، بصفته رئيساً لـ«جمهورية الهرسك والبوسنة» الكرواتية، كان يتمتع بالسلطة لإيقاف المعاملة الخطرة التي كان يتلقاها المسلمون في المناطق المحاصرة ولإيقاف الحصار على مناطقهم. ورغم دفع بريليتش ببراءته من كل التهم الموجهة إليه، فإنه لم يستطع نفي وجود سعي منظم من جانبه لإقامة «كرواتيا الكبرى»، من خلال تعديل النسيج الإثني في المناطق التي كانت خاضعة للحصار على أيدي مقاتليه!