أمية العقل بعد أمية القلم
كثيرة هي مؤشرات قلة الأميين في مجتمع الإمارات، فهي ظاهرة تنقرض أو تكاد، فانتشار المدارس والجامعات في كل أنحاء الدولة، إضافة إلى برامج محو الأمية عجَّل من انتهاء هذه الأزمة التي تعانيها بعض الدول العربية، التي سبقتنا في ميدان التعليم. ومن الواجب الاعتراف والثناء على كل الجهود المخلصة التي أسهمت في علاج هذه الظاهرة. لكننا اليوم أمام تحد جديد، هو أمية العقل.
مصطلح جديد، أود أن يُضاف إلى قاموسنا التربوي في الإمارات وغيرها من الدول أن تعلم الإنسان لمفاتيح المعرفة، كالقراءة والكتابة مؤشر إيجابي في طريق التفكير السوي، لكنه لا يعني أبدا أن هذا الإنسان تجاوز عقبة أمية العقل، التي نعانيها في دولنا العربية، والتي من أهم مؤشراتها: العاطفة الجارفة التي توجهنا، في مختلف جوانب الحياة، فنحن شعوب عاطفية نتأثر بآخر كلمة سمعناها، وإنْ لم ندرك معناها لذلك نجد هذا التذبذب في حياتنا العامة، والخاصة، فالمدير مثلًا لا يستطيع أن يقيم الموظف، كما ينبغي وفق مؤشرات الأداء المتفق عليها، لأن هذا الموظف لطيف جداً في تعامله معه... هذا اللطف جعله يقربه منه رغم قلة إنتاجيته، الزوج لا يريد الخوض مع رفيقة دربه في حوار جاد لأنه يخشى على مشاعرها المرهفة. والأم لا تتمكن من أن تقول لا لابنها العاق، لأنها تقدم عاطفة الأمومة على عقلها.
ولو تطرقنا إلى عالم السياسة لرأينا أن تجييش الناس واندفاعهم للشارع استجابة غير عاقلة في معظم الأوقات لنداء عاطفي، شعاره من أحبه قلبي تعاطف معه عقلي.
المؤشر الثاني لأمية العقل والفكر يتلخص في عدم التيقن من الأمر، رغم أننا كمسلمين مأمورون شرعاً بالتثبت والتبين قبل أن نندم على ما يصدر عنا. والله تعالى يقول: "يأَيُّهَا ?لَّذِينَ آمَنُو?اْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُو?ا". فكم منا من ظلم غيره لأنه صدق ما نقل له دون عقل وفكر وتحقق... هذه الآية نزلت في عصر الصحابة، كي نتعلم أن الإنسان مهما جل قدره معرض للخطأ، فوجب من غيره التأكد لأننا مسؤولون عما يصدر عنا وليس ما يصل لنا.
المؤشر الثالث على أمية العقل أن الإنسان يصل إلى مراحل متقدمة من العمر، ولا يستطيع اتخاذ قرار ناجح في حياته. فمن اختيار التخصص الجامعي إلى الدراسات العليا، أو العمل تجد ندرة من الناس هم الذين عرفوا مستقبلهم، وخططوا لنجاحهم حسب معادلات متعارف عليها في علم صناعة القرار، لذلك نجد الفشل يواجه الكثير منا في حياته الخاصة أو المهنية، لأنه استعجل في قراره أو أوكل غيره في أن يتخذه نيابة عنه.
وهناك مؤشرات كثيرة على غياب العقل في حياتنا رغم تخرجنا من الجامعات، وهنا سؤال يطرح نفسه، يتلخص في سبل الخروج من أمية العقل... والجواب هو في إعادة تصميم برامجنا ومناهجنا التعليمية، وترتيب الأولويات فيها، بحيث تكون الخطط والبرامج والكتب والمناهج وطرق التعليم والتعلم إضافة إلى أساليب القياس والتقويم، متضمنة لمهارات التفكير المختلفة، والتي منها التفكير الناقد الذي يعلمنا فنون فحص المعلومة لتحديد جوانب القوة والخلل فيها... ومهارة التفكير الابداعي الذي يحول معلوماتنا إلى مصادر للإبداع في حياتنا، فننتقل من التنظير إلى العمل، ثم مهارة اتخاذ القرار كي تكون قراراتنا أقرب للنجاح منها للفشل.
وأخيراً مهارة حل المشكلات التي ستواجهنا، والتي كانت حلولنا بداية لمشاكل، لكنها من صنع أيدينا.