باريس ولندن... واليوتوبيا المنشودة
في عام 1970، قام الكاتب المسرحي الفرنسي لويس سباستيان ميرسير برحلة قصيرة لزيارة معالم لندن، وكان على وشك كتابة «سلسلة وصفية للحياة في باريس»، ولكنه فطن قبل الشروع فيها إلى أن هناك مهمة لابد من القيام بها هي زيارة لندن، أكبر مدينة في أوروبا، مدركاً أن هناك دروساً لابد من تعلمها.
واعتقد «ميرسير» أنه من المستحيل التظاهر بمعرفة باريس من دون معرفة شيء عن لندن المجاورة والمنافسة أيضاً، ولذا فإن من الحتمي عند الحديث عن العاصمة الفرنسية التطرق إلى نظيرتها البريطانية.
وفي كتابه الجديد «حكاية مدينتين: باريس ولندن وميلاد المدينة الحديثة»، أخذ الكاتب جوناثان كونلين ملاحظة «ميرسير» كنقطة بداية لتوضيحه التفصيلي للعلاقة التاريخية بين المدينتين منذ بداية القرن الثامن عشر وحتى اندلاع الحرب العالمية الأولى.
وكتب «كونلين»، وهو مؤرخ أميركي ويعمل في الوقت الراهن أستاذاً للتاريخ في إنجلترا، يقول «إن بريطانيا كانت هي الدولة الوحيدة التي أمكنها الصمود في وجه القوة والنفوذ الفرنسي».
ونقل عن «ميرسير» قوله «إن باريس كان لها نفوذ في سويسرا وإيطاليا وألمانيا وهولندا، ولكن لم تمتلك أية سيطرة في بريطانيا».
وفي الواقع، كانت العلاقة دوماً بين باريس ولندن كعلاقة فرسي رهان، ولم تكن أبداً علاقة تحكـّم، وإنما اتسمت بالإعجاب المتبادل وليس الإذعان من جانب واحد.
وقد أشار «كونلين» إلى أن «ميرسير» تخيل العلاقة بين لندن وباريس على أنها حديث عن كيفية إنشاء المدينة النموذجية «اليوتوبيا». كان ذلك في مرحلة من التاريخ بعد خروج المدينتين من ظلمات العصور الوسطى، وسعيهما للتكيف مع ظروف العالم الحديث.
ويقسم كتاب «حكاية مدينتين» مدى تأثير كل مدينة في جارتها إلى ستة أقسام:
الأول هو «المنزل: إذ يلقي الضوء على تطور مجمعات الشقق في باريس ويحاول تقديم النمط الأفقي للحياة في لندن». والثاني هو «الشارع: حيث الانفرادية والمشاة و(المتسكعين) بصفتهم الممثل المثالي للحداثة العمرانية». والقسم الثالث هو «المطعم ومدى الاختلاف بين رؤية المدينتين له»، بينما الرابع هو «الأماكن المخصصة للغناء والترفيه في أواخر القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وخصوصاً صالات الموسيقى».
وفي القسم الخامس يلقي المؤلف الضوء على حياة الليل وعالم الجريمة السفلي، الذي يقدم الروابط المفقودة التي تربط أكثر التفاصيل الروتينية الرتيبة للحياة باستثناءات مخيفة. ويتناول القسم الأخير «المقابر الخضراء، حيث تؤسس الطبقة المتوسطة مدينتها المثالية».
وتبدو كل هذه المباحث مشوقة وكاشفة، ولكن يبدو أن أكثرها أهمية هو الشارع، حيث يمثل المشي بطرق شتى جوهر الحياة العمرانية، على الأقل حتى ظهور السيارات التي جعلت المدن أقل أمناً بشكل كبير للمشاة.
ويستخدم «كونلين» كلمة «المتسكعين» لوصف الشباب الذين يتسمون بالانفرادية، والذين يهيمون في شوارع المدن من دون أي هدف أو غرض في أذهانهم. ويرى كثيرون أن ظاهرة «المتسكعين» ذات طابع فرنسي، حيث استخدمها الشاعر شارل بودلير بشكل ملحوظ في كثير من أشعاره.
وعلى رغم ذلك يزعم «كونلين» أن ظهور هذا النوع من «المشي» عرف في لندن قبل باريس بوقت كبير، وانعكس في تحسين التصميمات العمرانية حيث الطرق المرصوفة وإضاءات الشوارع، التي استخدمت بعد الحريق الكبير في عام 1666، وخصوصاً في الميادين الشهيرة في غرب المدينة.
ويتناقض ذلك تناقضاً شديداً مع باريس، حيث كانت العربات التي تجرها الأحصنة هي السائدة، ولم يكن هناك وجود للمشي على جوانب الطريق، بينما كانت الشوارع تعج بالوحل، وكان ماسحو الأحذية الباريسيين يتجمعون على الجسور وتقاطعات الطرق الكبرى يعرضون تنظيف الأحذية.
ولم تظهر الممرات الجانبية في الشوارع الباريسية حتى عام 1780، كجز من إعادة تطوير ميدان «أوديو»، الذي قاد إلى تطوير الثقافة العمرانية.
وبحلول منتصف القرن التاسع عشر، أصبح الكتاب والفنانون في عاصمتي الجمال والضباب من بين أوائل المحتفين بالتنزه العمراني كمصدر للسعادة والغموض، وليس كسبب للاستياء يضطر إليه أولئك البؤساء الذين لا يمكنهم استئجار عربة تجرها الأحصنة.
وازدهرت الإعلانات على جوانب الشوارع لجذب المارة المترجلين، التي جعلت المشي على الأقدام شيئاً محبباً، وسرعان ما ظهر بائع الساندويتشات في عام 1820، ووجدت الفكرة في إنجلترا أولاً ثم قلدت في فرنسا.
وإذا كان الشارع يكمن في قلب تحليل «كونلين»، فإن حياة الليل لا تقل أهمية، ذلك أن المطاعم تحولت من مكان لتناول الوجبات في وسط النهار إلى أماكن التقاء ليلية، واتسمت صالات الموسيقى بطابعها الليلي أيضاً.
وإلى أن تطورت إضاءة الشوارع في كلتا المدينتين، لم يكن الليل مجرد ظلام دامس فحسب، وإنما كان حياة غير مرئية، وفي حين كانت تلك الفترة بين غسق الليل وبزوغ الفجر مخيفة لبعض السكان، لم تكن موجودة من الأساس للبعض الآخر، إذ كانوا يعتبرونها «وقتاً ميتاً».
وقد غيرت إضاءات الشوارع ذلك إلى الأبد، ولكن ظلت حياة الليل -كما هي في الوقت الراهن- وقتاً للجريمة وميلاداً للطابع الثقافي الأساسي للحياة العمرانية.
وائل بدران
-------
الكتاب: حكاية مدينتين: باريس ولندن وميلاد المدينة الحديثة
المؤلف: جونثان كونلين
الناشر: كاونتربوينت
تاريخ النشر: نوفمبر 2013