لم يكن غريباً ولا مفاجئاً ذلك الحزن العارم الذي خيم على دولة الإمارات العربية المتحدة والعالم العربي والإسلامي إثر إعلان وفاة مؤسس دولة الإمارات ورئيسها الشيخ زايد، رحمه الله. كما لم يكن غريباً أن يحظى الراحل الكبير طوال حياته العامرة بالحب والاحترام والتقدير على المستويين الرسمي والشعبي في مختلف الأقطار العربية والإسلامية وفي العالم أجمع. ولعل سيرة الفقيد الحافلة بالتجارب والإنجازات تفسر جانباً من هذه المكانة الرفيعة التي اكتسبها في حياته وهذا الحزن العميق على رحيله.
ويضيق المقام، بطبيعة الحال، عن سرد تفاصيل حياته الثرية وعطائه الفياض لشعبه وأمته، وإن كان من الضروري التوقف عند بعض المحطات الرئيسية واستخلاص ما فيها من عبر ودروس جديرة بأن تستلهم منها الأجيال القادمة ما يعينها على مواجهة ما تتعرض له من تحديات وأخطار.
ولعل أولها مرحلة التكوين، حيث ترسخت في وجدانه التقاليد العربية والإسلامية من خلال دراسته الدينية. استطاع الشيخ زايد رحمه الله، بما أوتي من عقلية منفتحة مرنة أن يجعل من هذه التقاليد مرشداً هادياً للتصدي لمشكلات العصر المتغيرة. ولعل هذا ما ساعده على دخول معترك الحياة العامة في سن مبكرة، وإثبات قدرته على حل النزاعات بأسلوب يمزج ما بين الحكمة والحسم وبُعد النظر. وهو ما تجلى على سبيل المثال في نجاحه في حل مشكلة تقاسم المياه في منطقة العين، عندما عُين ممثلاً للحاكم هناك في أربعينيات القرن العشرين، حيث استطاع التوصل إلى حلول ترضي جميع الأطراف وتؤدي إلى تنمية المنطقة وازدهارها، مع مراعاة المصالح الفردية والعامة في آن معاً. ولن تخطئ عين الزائر لمنطقة العين في الوقت الحاضر ما طرأ عليها من تغير، حيث تحولت إلى واحة خضراء تقف في وسطها جامعة العين كواحدة من أبرز الجامعات في العالم العربي.
وترتبط المرحلة الثانية بثورة النفط وثروته، والتي أدرك الشيخ زايد ببصيرته كيف يوظفها على النحو الأمثل في تحويل أبوظبي إلى دولة حديثة. وقد أدرك منذ البداية أن الاعتماد على النفط وحده لا يكفي لإنجاز تنمية حقيقية، ومن ثم حدد رؤيته في هذه الكلمات الدالة "إن الثروة يجب أن تُوجه لخدمة حاضر المواطن ومستقبله. ينبغي أن نخطط للمستقبل لمواجهة احتمالات نضوب الثروة النفطية، وذلك بإقامة المصانع وإعداد المواطنين وتزويدهم بالخبرة والعلم". وبالفعل، شهدت أبوظبي في عهده، ومن بعدها بقية الإمارات، طفرة كبيرة في جميع المجالات، فأقيمت مئات الأحياء السكنية، وشُيدت شبكات الطرق والمرافق الأساسية، كما أرسى الشيخ زايد قواعد الإدارة الحكومية وتنظيمها على أسس عصرية تستفيد من أحدث الإنجازات العلمية والتقنية، بما يكفل حق المواطن في التمتع بالخدمات الحيوية بيسر ودون تعسف أو تعقيد، ويضمن في الوقت نفسه استمرار الدولة في النهوض بمهامها دون معوقات.
ولم يقصر الشيخ زايد اهتمامه على أبوظبي وحدها، وقد كان بوسعه أن يقنع بتنميتها وتحديثها، إذ كان حلمه أن يجمع كل الإمارات في كيان موحد قوي، بل كان عرض على قطر والبحرين الانضمام إلى الكيان الذي كان يحلم به. ورغم ما واجهه من صعوبات وعراقيل في هذا الصدد فإنه لم يستسلم لليأس أو القنوط، بل ظل يعمل جاهداً على تحويل الحلم إلى حقيقة واقعة، إلى أن شهد العالم في ديسمبر 1971 ميلاد دولة الإمارات العربية المتحدة، وبدء مرحلة جديدة، ربما كانت الأهم والأبرز في مسيرة الفقيد الكبير. فعلى العكس من التجارب الوحدوية المتعثرة أو المبتسرة التي عرفتها الأقطار العربية منذ أواخر الخمسينيات من القرن العشرين، قدمت الدولة الوليدة تحت قيادة الشيخ زايد نموذجاً فريداً في العمل العربي المشترك، وفي التعاون والتكامل على جميع المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية، وفي السعي لتحقيق النهضة على أسس ثابتة. كما تعزز هذا النهج بتشكيل "مجلس التعاون الخليجي" في عام 1981، والذي لعب الشيخ زايد دوراً بارزاً في مختلف مراحله، إيماناً منه بأهمية التكتلات الإقليمية وبحتمية الانتفاع بالروابط الجغرافية والثقافية بين دول المنطقة، فضلاً عما لديها من إمكانات اقتصادية.
ومما يؤكد عمق هذا الوعي وصدقه أن الشيخ زايد، رحمه الله، حرص منذ البداية على ألا يكون التوجه نحو العمل العربي المشترك مجرد حماس لحظي أو تشدق لفظي، بل أن يكون محصلةً لدراسة متأنية للواقع الإقليمي والدولي ولقدرات دول المنطقة وتطلعات شعوبها ولمتطلبات كل مرحلة تاريخية، فضلاً عن حرصه على وضع المصالح القومية الاستراتيجية فوق أية اعتبارات قُطرية أو آنية، وعلى السعي لحل النزاعات بين الأطراف العربية المختلفة بشكل رزين داخل إطار البيت العربي الواحد ومن منطلق التمسك بالروابط العربية الأعمق والأوثق من أية خلافات عابرة. وفي الوقت نفسه، كان الشيخ زايد سباقاً إلى مد يد العون لمن يحتاجه من الشعوب العربية والإسلامية، متحلياً في ذلك بروح الفرسان التي لا تبخل بالبذل والعطاء ولا تبحث بأية حال عن مديح أو إطراء.
وإذا كان غياب ال