اعتاد لولسيجد تولا (33 عاماً) وهو يرتدي معطف الأطباء على استقبال زواره من شتى أنواع المرضى في عيادته التي تقع في إحدى القرى الأثيوبية الأكثر تخلفاً وفقراً. وفي جميع العيادات التي تنتشر في أنحاء الدولة استمر الأطباء مثل دكتور "لولا" في معالجة الأمراض الرئيسية المهلكة للحياة مثل الإسهال والملاريا وأمراض الرئة والتنفس. وجميع هؤلاء يجمعهم قاسم مشترك واحد حيث جرى تدريبهم لكي يمارسوا أعمال الطب ولكن لا يوجد من بينهم من هو طبيب في حقيقة الأمر. ولهذا السبب بالذات يشير العديد من المتخصصين في شؤون الصحة العالمية إلى أن هؤلاء من أشباه المحترفين باتوا يوفرون نوعاً من الحلول لإحدى أكثر المشاكل تعقيداً التي تواجه الدول الأفريقية مثل أثيوبيا، والتي تتمثل في نزيف العقول الناجم عن هجرة الأطباء إلى الدول الغربية أو إلى الدول الأفريقية الأكثر ازدهاراً.
وقد أصبح هؤلاء العاملون في مجال الصحة في موزمبيق يشكلون القوة الدافعة في غرف العمليات وهم ينفذون عشرات الآلاف من الإجراءات المنقذة للحياة بينما يجرون العمليات القيصرية الطارئة في ملاوي. وباتت دول أثيوبيا وموزمبيق وملاوي هي الدول الأفريقية الأشد بؤساً وفقراً التي تعاني من النقص في الكوادر الطبية وبشكل يبلغ ضعف ذلك العدد القليل من الفنيين الذين يتم تدريبهم. وبينما أخذ البعض يثير المخاوف بشأن مدى قدرة هؤلاء الفنيين المتدربين على القيام بالمهمة على أكمل وجه فإن القليل من الدراسات فقط كشفت عن إمكانياتهم على توفير رعاية صحية مناسبة. وفي الحقيقة فقد أشار الخبراء في الصحة العالمية إلى ضرورة العمل والإسراع في تبني هذا الاتجاه إذا ما تبقى لأفريقيا أي أمل في التصدي للأوبئة والأمراض الكارثية التي تستوطن فيها. فهؤلاء الأطباء البدلاء يمكن تدريبهم واستئجارهم بتكلفة أرخص بكثير من تكلفة الأطباء من حملة الشهادات. وهم أيضاً أكثر رغبة في العمل في المناطق الريفية ويميلون إلى البقاء داخل الدولة عوضاً عن الهجرة إلى دول أكثر ازدهاراً.
وهناك مشروع أطلق عليه اسم "المبادرة المشتركة للتعليم" وهو عبارة عن شبكة تضم أكثر من 100 معلم وخبير عكفوا على دراسة أزمة الكوادر في الرعاية الصحية وهي تقدر أن القارة الأفريقية لديها 600 ألف ممرض وطبيب ولكنها تحتاج إلى مليون كادر آخر. ويقول لينكولن شين رئيس لجنة المبادرة ومدير مركز المساواة العالمية في جامعة هارفارد: لا سبيل أمام هذه الدول لتحقيق النجاح غير البحث عن الأطباء التقليديين، وأصبح يتعين عليها بناء وترسيخ ونشر أنظمة أشباه المحترفين في جميع أنحاء القارة من أجل التصدي لهذه الأزمة الصحية. وعلى الرغم من أن هؤلاء العاملين يمكنهم مساعدة دولهم على تعويض النقص في الأطباء إلا أنهم لا زالوا لا يشكلون الحل الناجع بعد أن باتوا باستمرار يستجيبون لإغراءات القطاع الخاص وهجران المستشفيات الحكومية. وإلى ذلك فإن التوسع في توفير هذه الكوادر ليس بالأمر السهل إذ يتلقى الواحد منهم تدريباً يستغرق من ثلاثة إلى خمسة أعوام بعد الثانوية العليا حسب نوع التخصص الذي يتدربون عليه، ويتم تدريبهم على كيفية مواجهة وحسم المشاكل الصحية الأساسية التي تؤدي إلى هلاك معظم الأفارقة. وعادة ما يتم تنفيذ هذه البرامج التدريبية وسط معارضة واضحة من كبار الجراحين والأطباء المتنفذين.
على أن استخدام أشباه الأطباء ليس بالأمر الجديد على أفريقيا، ففي عام 1975 بعد أن نالت موزمبيق استقلالها من البرتغال لم يكن عدد الجراحين يزيد على اثنين بالإضافة إلى عدد 4 أطباء توليد و80 طبيباً عاماً في دولة يقطنها 14 مليون شخص. وسارعت الدولة إلى إخضاع خريجي الثانوية العليا إلى برنامج تدريبي يستغرق ثلاث سنوات قبل أن تعمد إلى نشرهم في المناطق الريفية. ثم بدأت لاحقاً في منتصف حقبة الثمانينيات تمنح هؤلاء المتدربين عامين آخرين من التدريب على العمليات الجراحية. وكانت العديد من النسوة قد توفين أثناء الولادة بسبب عدم وجود شخص يستطيع إجراء العمليات القيصرية الطارئة وهي عملية بسيطة من الممكن إجادتها عبر التكرار فقط. وفي خلال العقدين الماضيين عمدت موزمبيق إلى تخريج 60 فنياً جراحياً فقط ولكنهم ما زالوا ينفذون معظم الإجراءات الجراحية في المناطق الريفية حيث يعيش معظم السكان. ولكن الدولة شرعت في العام الماضي في تدريب 27 فنياً جديداً. ويقول فيرناندو فاز الجراح المسؤول عن تعليمهم: إن معظم الدول الأفريقية لا تقبل بهذا النوع من العاملين إذ يتشككون في مستوى قدراتهم. ولكن موزمبيق وجدت الحل في هؤلاء.
ولكن الدراسات برهنت على جودة وكفاءة هؤلاء الفنيين. وقد قارنت إحدى هذه الدراسات بين العمليات التي يجريها الفنيون في الجراحة وبين تلك التي ينفذها أطباء التوليد ولم تجد اختلافاً ملحوظاً في النتائج. وكما يقول الدكتور كولين ماكورد الجراح الأميركي الذي عمل على تطوير النظام في موزمبيق وقام بتدريب الدفعة الأولى: من المؤكد أن بعض الفنيين أفضل في العمل بأيديهم من معظم ال