في ظل الانتشار الواسع للاضطرابات النفسية وللأمراض العقلية، والتي يقدر أنها تصيب مئات الملايين من البشر حول العالم -حسب إحصائيات منظمة الصحة العالمية- يبذل الأطباء والعلماء جهداً حثيثاً لفهم أسبابها، للخروج باستراتيجيات فعالة تحقق الوقاية من الإصابة بها، وتطوير أساليب علاج تمكن من الشفاء منها. وتتشابه التصنيفات الأساسية لأسباب الإصابة بالاضطرابات النفسية والأمراض العقلية، مع تصنيفات أسباب العديد من الأمراض والعلل الأخرى التي تصيب أفراد الجنس البشري، مثل الظروف البيئية، والعوامل الفسيولوجية، أو البيولوجية الكيميائية بالتحديد، وغيرها. ولطالما حظيت العوامل الوراثية، واحتمالات انتقال الاضطرابات النفسية والأمراض العقلية من الأبوين إلى ذريتهما، باهتمام خاص من العاملين في هذا المجال. ولكن للأسف، لم تثمر عقود من الدراسات والأبحاث في هذا المجال، نتائج ملموسة يمكن أن تترجم إلى ممارسات يومية إكلينيكية، يستفيد منها المصابون بتلك الأمراض، أو يمكنها أن تحقق الوقاية لذريتهم من تكرار المعاناة. وربما يعود السبب في ذلك، إلى تعقيد وتشابك الجينات الوراثية المسؤولة عن تلك الأمراض، بشكل يجعل من الصعب إلقاء اللوم أو توجيه أصبع الاتهام إلى جين واحد محدد. وهذه الخاصية، أو تراكب وتراكم تأثير عدة جينات على صفة واحدة، أو مرض محدد، يمكن توضيحها من صفة طول الجسد. فبسبب أن طول الشخص، هو عبارة عن نتاج تأثير العديد من الجينات، التي تتفاعل مع بعضها بعضاً، وتترك تأثيرها أو انطباعها بمقادير مختلفة، ينتج هذا الاختلاف والتباين في أطوال البشر، ضمن مدى واسع، يعتبر شخصاً طبيعياً كل من يقع داخله. فعلى سبيل المثال، يقدر أن هناك تغيرات في 108 جينات وراثية، في الحالات المصابة بالاضطراب المعروف بالشيزوفيرينا، كما ترتبط تسعة جينات بالاكتئاب، وحوال 20 جيناً وراثياً بالاضطراب ثنائي القطب (Bipolar Disorder). ويعتقد العلماء أنه لا زال هناك العديد من الجينات الأخرى التي لم تكتشف بعد، والتي تلعب دوراً مباشراً، أو غير مباشر، في الإصابة بالاضطرابات النفسية الأمراض العقلية. ومما يزيد الأمر تعقيداً، هو تشارك هذه الأمراض والاضطرابات في العديد من الجينات، وهو ما يفسر وجود علامات وأعراض بعض منها ضمن أعراض وعلامات المرض الأساسي. ويسعى الأطباء لفهم هذه العلاقة المركبة والمتشابكة من خلال الدراسات التي تأخذ في الاعتبار التاريخ العائلي للمرض، وتلك التي تجرى على التوائم، حيث يكتسي فهم أسباب الإصابة بالأمراض العقلية أهمية فائقة في نظم الرعاية الصحية الحديثة والمستقبلية، في ظل تواتر الدراسات التي تشير إلى أن الاضطرابات العقلية تعتبر من أكثر أنواع الأمراض انتشاراً على الإطلاق، حيث يقدر أن واحداً من كل ثلاثة من السكان في غالبية الدول، يشتكي من أعراض نوع واحد على الأقل من أنواع الاضطرابات العقلية خلال رحلة حياته، وهي نسبة تتفاوت بين الدول والمناطق المختلفة، لتصل أحياناً إلى 46 في المئة -نصف السكان تقريباً- في دولة مثل الولايات المتحدة. ولا يختلف الوضع كثيراً في بريطانيا، حيث يقدر أن نحو 17 مليون بريطاني يعانون من مشاكل تتعلق بالصحة العقلية والنفسية. وبناء على هذه الأرقام، يمكن إدراك حجم الإعاقات التي تنتج عن الاضطرابات العقلية، وفداحة الثمن الإنساني والاقتصادي للأمراض النفسية. فبخلاف التعاسة والآلام النفسية التي تتسبب فيها هذه النوعية من الأمراض، توجد أيضاً تكلفة اقتصادية ملموسة تتمثل في انخفاض الإنتاجية أو انعدامها تماماً، نتيجة للإعاقة قصيرة المدى أو المزمنة التي يتسبب فيها المرض النفسي، بالإضافة إلى تكاليف العلاج الذي غالباً ما يحتاج المريض للاستمرار فيه لفترة طويلة. كما يمكن إدراك قوة العلاقة بين العوامل الوراثية والاضطرابات العقلية والنفسية، من حقيقة أنه إذا ما كان أحد الأبوين مصاباً بالاكتئاب الشديد، فستتضاعف احتمالات إصابة الأولاد إلى الضعف، مقارنة بأقرانهم. وفي حالة إصابة الأبوين بالاضطراب ثنائي القطب فترتفع إلى أربعة أضعاف، وإلى ثمانية أضعاف إذا ما كان أحد الأبوين مصاباً بالشيزوفيرينا. ولا يمكن بالطبع تجاهل دور العوامل البيئية، والظروف المعيشية، وباقي التجارب والخبرات الحياتية، في تعظيم أو تقليل، التأثير الوراثي على احتمالات الإصابة بالاضطرابات النفسية. ومثل هذا التفاعل بين الجينات وبين البيئة المحيطة، معروف وموثق في العديد من الوظائف الفسيولوجية الأخرى، وفي مجرى ومنتهى العديد من التفاعلات البيولوجية والكيميائية داخل الجسم. كما أن هذه العوامل البيئية، والتجارب والخبرات الحياتية، قد تكون هي السبب المباشر والوحيد في الاضطراب النفسي والمرض العقلي. وهو ما يظهر أن الصحة النفسية -أو عدمها- هي حالة بالغة التعقيد، تتداخل وتتفاعل فيها العديد من العوامل والمؤثرات، التي يتعين أن تدرس وتفهم بشكل كامل، إذا كان لنا أن نخفف وأن نزيح ما تتسبب فيه من آلام ومعاناة عن كاهل مئات الملايين من البشر.