زايد وحرب رمضان.. دروس تاريخية في التضامن العربي
كان المؤتمر الصحفي الذي عقده الزعيم العربي الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، في مثل هذا اليوم 20 أكتوبر 1973 في سياق تداعيات هذه الحرب على الجبهتين المصرية والسورية من أهم وأبرز المؤتمرات التي شهدها العالم ودولة الإمارات التي لم تكن، آنذاك، قد أكملت عامها الثاني، لما تميز به من شجاعة وصراحة وإصرار على دعم جبهات القتال قولًا وعملاً، فقد وّجه بقطع البترول عن الولايات المتحدة لدعمها المفتوح لإسرائيل، أتبعها بهولندا لتأييدها وفتح مطاراتها أمام الطائرات الأميركية وهي تنقل السلاح إلى إسرائيل.
وقد جسد زايد، الأصيل في عروبته، موقف التأييد المطلق لإخوانه في معركة الشرف والكرامة بمقولته «إن البترول العربي ليس أغلى من الدم العربي»، التي ترسخت في القلب والعقل والضمير على مر الأجيال، لأنها تشكل عنواناً كافياً لما رآه وأدركه ونفذه، لدور البترول في هذه الحرب. وقد كانت دهشة العالم أولا كبيرة بسبب الانتصار الذي حققه الجندي المصري والسوري عبر قناة السويس، والقفز إلى سيناء ومرتفعات الجولان.. وجاءت دهشة العالم أكبر لموقف التضامن العربي الذي رفعه زايد، رحمه الله، عالياً في قطع البترول لتصبح الإمارات واحدة من دول المواجهة المؤثرة والفاعلة وليست دولة دعم فقط.
من لندن، حيث كان في زيارة لبريطانيا، كان زايد «طيب الله ثراه» يتابع هذه الحرب منذ لحظاتها الأولى والتي بدأت في نحو الثانية من بعد ظهر يوم السبت العاشر من رمضان الموافق 6 أكتوبر 1973.
لحظة مصيرية
وكان اتصاله بالرئيسين أنور السادات وحافظ الأسد بعد ظهر اليوم، خطوة أولى لمتابعة الحرب والاطمئنان على سير المعارك على الجبهتين. كما التقى رئيس الوزراء البريطاني إدوارد هيث، أتبعها باتصالات بالزعماء العرب ولقائه بجميع السفراء العرب في لندن. وكان حريصاً على معرفة أوجه الدعم الذي تقدمه الولايات المتحدة لإسرائيل والتي تمثل أخطرها في طلب الرئيس نيكسون تخصيص مليارين ومئتي مليون دولار لتغطية قيمة الأسلحة المرسلة إلى إسرائيل بهدف تغيير سير الحرب لصالحها.
من هنا وضع زايد، رحمه الله، في الاعتبار أن لحظة المصير التي تمر بها الأمة العربية تتطلب عطاء بلا حساب لأنها ليست معركة مصر وسوريا بل هي معركة الوجود العربي ومعركة أجيال عربية قادمة، وبسرعة القائد المسؤول، طلب من مستشاريه حجز جميع غرف العمليات المتنقلة وشرائها وإرسالها إلى دمشق والقاهرة، ومع انحياز الإعلام الغربي، أمر بتسهيل سفر 40 صحفياً أوروبياً إلى البلدين لتوفير التغطية الإعلامية الصحيحة. وفي ثالث أيام الحرب حصل على مبلغ 100 مليون جنيه إسترليني قرضاً من بنك ميدلاند بضمان شحنات النفط وأرسله إلى الأشقاء.
وعندما سئُل رحمه الله عن قيمة الدعم قال: «إن الثروة لا معنى لها دون حرية أو كرامة، وإن على الأمة العربية وهي تواجه منعطفاً خطيراً أن تختار بين البقاء والفناء، بين أن تُنكس أعلامها إلى الأبد أو أن تعيش أمة رافعة أعلامها ومنتصرة».
زايد، طيب الله ثراه، أمر بإرسال مولدات كهرباء جديدة جواً بعد أن قصفت إسرائيل محطات الكهرباء في دمشق، وعندما تدفق السلاح الأميركي إلى إسرائيل عبر الجسر الجوي أمر وزير البترول في اجتماع وزراء النفط العرب في الكويت بأن يُعلن باسمه قطع النفط بالكامل عن الدول التي تدعم إسرائيل بدلاً من التخفيض بنسبة خمسة بالمئة التي خرج بها الاجتماع، وهذا ما أنذر بموقف جريء سوف يؤثر حينها على الاقتصاد العالمي.
إصرار لا توقفه التهديدات
وبصدر مفتوح تلقى زايد بطرق مختلفة تهديدات بأن عليه أن يتحمل تبعات قراره، فما كان منه إلا أنه أكد: «إن الذين قدّموا دماءهم في المعركة، معركة الشرف قد تقدموا الصفوف كلها، وإن البترول العربي ليس أغلى من الدم العربي»، وأضاف: «إننا على استعداد للعودة إلى أكل التمر مرة أخرى، فليس هناك فارق زمني كبير بين رفاهية البترول وبين أن نعود إلى أكل التمر».
وحول هذا القرار الشجاع والبعيد عن أي خوف في نفس زايد، رحمه الله، قال الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين مشيداً بموقف زايد القائد العربي: «إن دولة الإمارات وهي بلد صغير عرّضت مصالحها للخطر عندما قطعت البترول عن الدول التي تساند إسرائيل واتخذت قرار الحظر ضد أكبر دولة في العالم». وربما كان هذا الموقف النادر سبب لحاق الجزائر بالإمارات في إعلان قطع النفط بعد أيام قليلة.
وخلال المؤتمر الصحفي الذي أُجري في قصر البحر مساء يوم السبت 24 رمضان 20 أكتوبر 1973، ترك الشيخ زايد «رحمه الله» الفرصة مفتوحة أمام الصحفيين العرب والأجانب من سبع دول ليسألوا ما يريدون لأن ذهنه حافل بالأفكار وقلبه عامر بالإيمان يدعمه الحق الذي طال انتظاره. وها هو ذا يتحقق بعد أن قهرنا الخوف ورفضنا استمرار احتلال الأرض والانحياز الدائم للمحتل.
وكان من أبرز ما بدأ به «رحمه الله» بعد تقديمي للمؤتمر الذي يُعقد في ظروف مهمة كإعلامي من تليفزيون أبوظبي قوله: «لقد أصدرت قرار قطع النفط لإيماني بأني أؤدي واجبي كاملاً تجاه أهلي وقومي. إن الولايات المتحدة في موقفها ضد العرب ومساندتها لإسرائيل تقف ضد العدالة، ونحن لا نسعى إلى الحرب ولكننا نريد فقط استعادة حقوقنا المسلوبة، كما أننا ندافع الآن عن أرضنا التي عشنا عليها آلاف السنين وأكلنا من خيرها. إننا بهذه الحرب قد واجهنا المستحيل واستطعنا بحمد الله أن نكسر هذا المستحيل والعالم كله يقف الآن معنا لأننا أصحاب حق». ورداً على تعقيب من الصحفية الأميركية «كريستينا» حول التأييد العربي والعالمي ومنها شخصياً ومن كثيرين من أبناء شعبها لقراره قطع البترول عن الولايات المتحدة ثم هولندا، قال الزعيم العربي، طيب الله ثراه: «أصدرت هذا القرار، ولم أكن أنتظر كل هذا التأييد، ولم أكن أتطلع إليه. لقد أصدرته لإيماني بأني أؤدي واجبي كاملاً تجاه أهلي وقومي. إن العالم العربي يدافع عن وطنه ويسعى لاستعادة أملاكه التي انتزعها الغير دون وجه حق أو سند قانوني. نحن اليوم ندافع عن أرضنا وعلى استعداد أن نبذل في سبيلها كل غالٍ ورخيص. لقد كنا نطالب دائماً باستعادة حقنا في الأرض السليبة، ولم نترك باباً واحداً للسلام إلا وطرقناه ولم يجد العربي من يناصره، وكانت الولايات المتحدة تقف دائماً ضد إرادة العرب ومع إسرائيل التي تجحف حقنا».
نؤمن بقرارنا الذي اتخذناه
ورداً على سؤال من مندوب «مؤسسة إطلاعات» الإيرانية حول اتفاق وزراء النفط العرب في اجتماعهم في الكويت على تخفيض الإنتاج بنسبة خمسة بالمئة، وهل تم إبلاغهم بقرار قطع النفط وليس تخفيض نسبة التصدير؟ أجاب «رحمه الله» من رؤيته الواثقة: «قرار وزراء النفط أشار إلى نسبة خمسة بالمئة كحد أدنى، وأبوظبي لم ولن تخرج عن إجماع الأمة العربية، وقد رأينا أنها نسبة ضئيلة، وقرارنا لا يطبَّق على الدول الصديقة، نحن ضد من يساند العدوان الإسرائيلي، ولقد أصدرنا القرار على الولايات المتحدة لأننا نؤمن بأهمية هذه الخطوة إيماناً كاملاً، وإذا كنا على صواب فإننا نأمل أن تحذو الدول العربية حذونا، وإذا كنا على خطأ سيقول لنا الإخوة العرب ذلك ونحن على استعداد لأن نسمع منهم».
المفاجأة.. رد سريع
ما إن أنهى زايد رحمه الله بيقين قلبه كلماته، حتى فاجأه وزير الإعلام الشيخ أحمد بن حامد، رحمه الله، بخبر حَمَله إلى المؤتمر الصحفي في قصر البحر المستشار علي شمو، يتضمن القرار السعودي بقطع البترول عن الولايات المتحدة بشكل كامل، وطلب زايد «رحمه الله» من الوزير قراءة الخبر على الحضور الذين قابلوه بالتصفيق وكانت من بينهم «كريستينا» الصحفية الأميركية التي علت وجهها الابتسامة، وقالت إن كثيراً من المواطنين في بلادها يشاركونها هذا الموقف ويؤيدون القرارات العربية بقطع البترول.
وما إن هدأ الحضور حتى قال لهم القائد العربي: «لقد جاء الرد على سؤالي بأسرع مما أتصور.. وأتوجه بالشكر إلى جلالة الملك فيصل على هذه الوقفة المشرفة».
رؤية ثاقبة برزت في رده على صحفي إيطالي يعمل في بيروت حول مؤتمر عدم الانحياز والدور الثانوي للدول الصغيرة أمام الوفاق بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة، فقال بهدوء: «الدولتان دائماً على وفاق، وهذا الوفاق دقيق وحساس.. وإذا تمايل إلى اليسار شعرة واحدة فإنه سرعان ما يعود إلى اليمين لتتوازن كفتا الوفاق. ولا يحق لنا نحن العرب أن نعتمد على دولة، ولكن نعتمد على أنفسنا بالدرجة الأولى. وعلينا كأمة عربية أن نخطط لما هو في مصلحتنا ومصلحة وطننا لحاضرنا ومستقبل الأجيال من بعدنا».
اغتنموا الفرصة
وردّاً على سؤال مندوب صحيفة «الحياة» اللبنانية حول إمكانية القيام بخطوات أخرى ضد باقي المصالح الأميركية مع تصاعد العمليات العسكرية على جبهات القتال، قال القائد بإيجاز: «لكل حادث حديث، ونحن الآن في حرب، نراقب الموقف دقيقة بدقيقة.. وهناك مثل عربي يقول (اغتنموا الفرصة لأنها تمر كمر السحاب)، وإذا لم نواجه العدو فقد تضيع الفرصة، والمفاجأة تلزمها المفاجأة، وفي الحرب لا وقت للضياع».
وحدتنا هي نصرنا
ويسأل مندوب صحيفة «الأهرام» في الكويت: هل هي الوحدة التي كنت تتحدث عنها دائماً وتعيشها الآن من الوقفة العربية مع مصر وسوريا؟ ويجيب «طيب الله ثراه» بلهجة الواثق بتفاؤله: «هذه هي البوادر التي كنا نتمناها ونتطلع إليها، وقد تمت منها بادرة واحدة، وقد استوعبت الدول العربية هذه البادرة، ونأمل أن تأتي بوادر أخرى وتتحقق. إن ما نراه الآن هو الأمة العربية تقف موقفاً واحداً، ووحدتنا هي النصر الكبير».
هذا هو زايد «رحمه الله» في حديثه بعد إفطار يوم السبت 24 رمضان 1393هـ الموافق 20 أكتوبر 1973 وهو يخاطب الأمة العربية من المحيط إلى الخليج العربي وليس مجموعة من الصحفيين والإعلاميين فقط، متفائلاً ببوادر اللقاء العربي، ومؤكداً مواصلة دعم مصر وسوريا في كل ما تحتاجان إليه في الحرب مهما كان الثمن.
محمد سعيد القدسي
إعلامي وأكاديمي في الإعلام السياسي