لعل الجدل بشأن كلمة الرئيس دونالد ترامب التي ألقاها في وارسو في الأيام القليلة الماضية يكشف عن صراع فكري كبير سيظل يؤثر على سياستنا لزمن طويل، فقد جرى تفسير خطبة ترامب باعتبارها دعوة للدفاع عن الحضارة الغربية التي من المفترض أنها مهددة بالتفسخ والانحلال من الداخل ومن القوى المعادية من الخارج، وربما رأى فيها يسار الوسط تسويغاً لا يكاد يخفى لفكرة قومية البيض. وفي هذا الصراع الفكري يسبب الخلط بين الليبرالية والغرب قدراً من الارتباك. فـ«الليبرالية» أيديولوجيا تضم في تعريفها، أشياء أخرى، حرية الأديان وحكم القانون والملكية الخاصة والسيادة الشعبية والمساواة في الكرامة. أما «الغرب» فهو منطقة محددة جغرافياً تم فيها إدراك هذه القيم لأول مرة على نطاق واسع في عصر التنوير الأوروبي، ولذا فإن التوسل بـ«الغرب» في إلقاء الضوء على أهمية القيم الليبرالية كما فعل ترامب لا يشير بالضرورة إلى أن هذه القيم ملكية حصرية للبيض أو المسيحيين، بل يعترف على نحو دقيق بأن بذور هذه القيم تكونت في سياق حروب الغرب وأديانه وميراثه الكلاسيكي منذ مئات السنين، ومنذ ذلك الحين انتشرت هذه القيم فيما يتجاوز موقع ميلادها الجغرافي واكتسبت احتراماً عبر العالم. والسؤال الآن هو عما إذا كان الأميركيون سيسلمون فكرة «الغرب» لأعداء الليبرالية في اليمين المتطرف، أي هل سنسمح لمن ينكرون حقوق المواطنة المتساوية للنساء والأقليات بأن يدَّعوا أنهم ورثة الحضارة الغربية؟ لكن اللافت للانتباه أن هناك تضافراً غريباً بين اليمين المتطرف واليسار المتطرف حين يتعلق الأمر بالمفهوم عن «الغرب»، فالمعسكر اليساري يرفض الحضارة الغربية بسبب ما يعتبره عنصريتها، واليمين المتطرف يقبل الحضارة الغربية لأنها عنصرية، أي أنهم يرون أنفسهم مدافعين عن الغرب ولكنهم يرفضون فكرة المساواة التي تعد من إنجازات الغرب الرئيسة، ولكن الجانبين ينكران ارتباط الغرب بالتقاليد الليبرالية. ويرى المنتقدون أن إحدى أكثر العبارات إثارة للجدل في كلمة ترامب هي قوله إن: «السؤال الرئيس لعصرنا هو عما إذا كانت لدى الغرب إرادة البقاء». ومن الواضح أن ترامب قصد بهذه الإشارة إلى تهديد التطرف الإسلاموي، وأيضاً الليبراليين من أنصار اتباع القواعد السياسية المرعية الذين يعتقد ترامب أنهم يساعدون هذا التطرف، ولكن هناك تهديدا آخر أيضاً لبقاء الغرب يتمثل في سياسة اليمين المتطرف الذي يضع الفئوية والهيمنة العرقية للبيض محل الليبرالية وحكم القانون. جيسون ويليك كاتب أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»