الحقيقة والزيف.. بين كم وكيف!
أظن وليس كل الظن إثماً أن المقولة الشيوعية: إن العامل الاقتصادي هو العامل التحتي، وإن العوامل الأخرى، مثل العقائدية أو الأخلاقية أو المبادئية أو الاجتماعية أو العرقية أو القيمية..كلها عوامل فوقية، متحققة تماماً وظاهرة بقوة في عالمنا اليوم..وأراها ماثلة بكل جلاء ووضوح في عالمنا العربي، والسؤال أو أداة الاستفهام المحركة للجميع هي (كم؟ أو بكم؟)..
وعلى أساس الإجابة يكون القرار بأن أقبل أو أرفض.
ولم يعد هناك أي معنى ولا قيمة لأدوات الاستفهام الأخرى: كيف؟ ولماذا؟ وأين؟ ومتى؟ وماذا؟ ومن؟..المهم (كم؟) ولا يهم أي أداة استفهام أخرى..
وقد علمونا في الصحافة أثناء دراستنا أن الخبر المتكامل هو الذي يجيب عن أسئلة تبدأ بالشقيقات الخمس (من؟ ومتى؟ وكيف؟ وأين؟ وماذا؟)، لكن كل ذلك لا قيمة له الآن..فلا أحد يطلب جواباً إلا عن السؤال (كم؟)..
كم؟..هي الشقيقة الكبرى، وهي الوحيدة التي تتحكم في قرارنا ومواقفنا وحركتنا في الحياة..
وهذه (الكم) هي التفسير الوحيد لكل ما يستعصي على الفهم في عالمنا العربي..
وأظن أيضاً وليس كل الظن إثماً أن كل شيء في هذا العالم العربي يستعصي على الفهم..
فأنت لا يمكن أن تفهم لماذا؟ ولا ماذا؟ ولا كيف؟ ولا متى؟ ولا أين؟..
لكنك ستفهم وتجد التفسير والتعليل إذا عرفت (كم؟ وبكم؟)..(كم؟) هي التي تفسر لك لماذا يتلون الإعلامي، ويتقلب من موقف إلى موقف مضاد؟ لماذا يقتل العرب العرب بالوكالة عن إيران أو غيرها؟ ولماذا يبيع المرء مبادئه ووطنه وأخلاقه ودينه وربما شرفه؟ لماذا ينافق الناس ويداهنون ويتلونون كالحرباء؟ لماذا فرق الناس دينهم وصاروا شيعاً؟ لماذا الدين الواحد يصبح جماعات وتنظيمات؟ لا جواب ولا تفسير إلا إذا عرفت (بكم؟)..
ولا تسأل: كيف؟ ومتى؟ وأين؟ وماذا؟ ولماذا؟ ومن؟ كل العوامل الأخرى صارت تابعة للعامل الاقتصادي، كل العوامل الأخرى وسائل لغاية واحدة هي (كم؟)..
هي العامل الاقتصادي.. وليس مجدياً أن تقارع الإرهابي الحجة بالحجة أو تحاوره رأياً برأي..لأنه بلا حجة ولا رأي ولا موقف..الحل البسيط جداً..
امنع عنه (كم؟) وساعتها سيبحث عن تيار آخر يشبع فيه وله (كم؟)..(كم؟) هي التي قلبت الشيوعي والقومي والبعثي والناصري والتقدمي إلى سلفي وإخواني وصوفي وداعشي وقاعدي..(كم؟) وليس سواها هي التي قلبت المناضل إلى مجاهد..والفدائي إلى استشهادي..
عندما فقدت التيارات القومية واليسارية ملاءتها المالية وجفت منابعها بسقوط الاتحاد السوفييتي..هرول أتباعها إلى التيار الديني الذي انتقلت إليه الملاءة المالية مع قيام ما يسمى الثورة الإيرانية ومع تبني الولايات المتحدة والغرب للمجاهدين الأفغان ضد الاتحاد السوفييتي الشيوعي..لا تحدثني بعد ذلك عن مبادئ وقيم ودين وأخلاق وعقيدة..فهذه كلها كلمات حق يراد بها (كم؟)..لا تحدثني عن شرف الكلمة وعمق الإيمان..فالذي يمارس الإرهاب قاتل أجير يقتل لمن يدفع..ويبيع عمره أيضاً لمن يدفع..فهو يموت في سبيل من يدفع ولا تحدثني عن الموت في سبيل الله..نعم يموت، ولا تندهش من أن أحداً يموت من أجل (كم؟)..
فعندنا ملايين الناس يبيعون أعضاءهم لمن يدفع أكثر..
وتجارة الأعضاء البشرية رائجة جداً وهي تشبه تماماً تجارة الإرهاب والدم..
كل هذا محكوم بأداة الاستفهام (كم؟)..
تجارة الرذيلة وبيع الشرف رائجة جداً وهي تشبه تماماً تجارة بيع الكلمة والمواقف لدى كثير من الإعلاميين..كل هذا تحكمه (كم؟)..
لا أصدق ولن أصدق أبداً أن هناك أمراً يحدث بعيداً عن (كم؟)..
وعندما يقف العالم، وما يسمى المجتمع الدولي، مترنحاً ومتأرجحاً ومائعاً أمام الإرهاب الصريح لقطر.. لن تجد تفسيراً سوى أن قطر تملك الإجابة عن سؤال (كم؟).لا يوجد شيء بمعزل عن (كم؟)..
التعليم في العالم العربي منهار ولا سبيل لإصلاحه لأنه صار وسيلة وليس غاية..
هو وسيلة للوصول إلى (كم؟)..
لتسعير الشهادات وتصنيف الكليات الجامعية إلى كليات قمة وقاع مرتبط بـ(كم؟)..
لا يهم أن نتعلم أو نعلم أو نعي أو نفهم..وإنما هي مدارس وجامعات تدفع وشوارع وجهات عمل تبلع..والخلاصة (بكم؟)..
فخريج الطب يمكن في بعض الدول أن يعمل مرشداً سياحياً لأن الغاية (كم؟)..
وسطوة (كم؟) هي المسؤولة عن شيوع ظاهرة المرتزقة والارتزاق..
والمرتزقة ليسوا فقط مقاتلين في جيش الإرهاب أو كتائب العملاء..
بل هناك جيوش أخرى وميادين أخرى يقاتل فيها المرتزقة..
فهناك إعلاميون مرتزقة ومثقفون مرتزقة ومحللون مرتزقة وساسة مرتزقة وناشطون حقوقيون مرتزقة..وخونة مرتزقة..
ولا تحدثني عن وطنية أو انتماء ديني أو حتى أسري أو تمسك بالقيم والتقاليد..
هي (كم؟) التي تحكم العالم..
حتى المجانين صاروا زعماء وحكاماً بما يملكون من قدرات مالية (كم؟)..
ولعبة الانتخابات وخصوصاً في العالم العربي يكسبها دائماً أهل (كم؟)..
والاحتراف في عالم كرة القدم تحكمه (كم؟)..
والتسابق على العمل بالفن مثل الغناء والتمثيل تحكمه (كم؟)..
لا شيء يمكن أن يكون عاملاً مستقلاً عن (كم؟)..
فكلها عوامل تابعة والذين يتصارعون على المناصب والمواقع تحكم حركتهم (كم؟)..لذلك لا يمكن القضاء على الإرهاب إلا بقتل (كم؟)..وتجفيف المنابع المالية للإرهاب..لذلك أيضاً لن تعرف الحقيقة من الزيف إلا إذا عرفت أن (كم؟) هي التي تحكم (كيف؟)!