كل الملفات العربية مفتوحة.. فنحن نستطيع دوماً أن نفتح الملفات ولا نعرف كيف نغلقها.. نحن صناع ومنتجو مشاكل ولسنا صناع حلول.. والأجيال العربية المتعاقبة ترث مشاكل ولا ترث حلولاً.. وكل الأزمات العربية موروثة عبر الأجيال وليست وليدة الساعة.. العربي وارث كوارث وأزمات ومشاكل.. وما أسوأها من تركة.. فالإرهاب موروث عربي من أيام الفتنة الكبرى.. والفرق الهالكة موروث عربي منذ أواخر عهد عثمان بن عفان، ورفع شعارات الحق التي يراد بها باطل آفة عربية قديمة.. ولا يستطيع المرء أن يفهم لماذا يسهل تفريق العرب ويصعب حتى المستحيل جمعهم؟ لماذا يسهل نشر وبث العداوة والبغضاء بينهم بينما يصعب بث الثقة والحب والإخاء فيما بينهم.. والأخطر لماذا يسهل تجنيد العرب ضد العرب ويصعب تجنيدهم ليكونوا معاً؟ وقد كدت أصدق قول الأعرابي الذي قال إن العربي «خامل في الجماعة ثابت راسخ في الفتنة»، كأن العربي لا يجد نفسه ظاهراً ومعروفاً في الجماعة فيكرهها.. بينما يجد نفسه في الفتنة والتفرق والخلاف.. بمعنى أنه نكرة في الجماعة ومعرفة في الفتنة.. لذلك لا يحب أن يعمل بروح الفريق ولا يرضيه أن يكون ترساً في آلة كبرى هي الجماعة.. هو يريد أن يكون الآلة كلها، وعلى رأي المثل المصري العامي (فيها أو أخفيها).. أكون الأقوى والأبرز فيها أو أخفيها أي أخربها وأفشلها.. والشخصنة والذاتية داء عربي عضال.. الذات تطغى على الموضوع.. والمهم عندنا مَن فعل وليس ما الذي تم فعله.. والمهم مَن قال ولا يهم ماذا قال.. حتى عندما نقرأ مقالات الكتاب أو نسمع كلام المحللين فإن الذي يعنينا توقيع الكاتب واسم القائل.. وعلى هذا الأساس نوافق أو نرفض.. وقد قال الإمام علي كرّم الله وجهه: لا تعرفوا الحق بالرجال، ولكن اعرفوا الرجال بالحق.. اعرفوا الرجل لأنه قال الحق.. ولا تعرفوا الحق لأن الرجل قاله.. الحق ليس تابعاً ولكن يجب أن يكون متبوعاً.. وراودتني قبل أيام فكرة شغلتني كثيراً، وهي أن العرب لا يعرفون الإصلاح، لكنهم يعرفون فقط الاستبدال والإحلال.. هذا في السياسة والثقافة والفن والسباكة والنجارة والكهرباء وإصلاح السيارات.. تخيل أن الأمة سيارة وذهبت بها إلى الميكانيكي لإصلاحها أو إصلاح عيب فيها.. هو لا يصلح، ولكنه يستبدل قطعة غيار بأخرى.. لا أحد يصلح شيئاً في أمة العرب.. هو يرمي قطعة ويأتي بقطعة غيار أخرى جديدة.. يحدث هذا في كل أمور العرب.. ودائماً نرى أن تغيير أو استبدال مسؤول بآخر هو الحل.. أو ذهاب شخص ومجيء آخر هو العلاج.. أو إسقاط نظام كما قيل في الخريف العربي وتركيب آخر هو المخرج.. نرى أن الاستبدال هو الحل.. ونركز على الأشخاص لا الموضوع وإذا ذهب شخص وحل محله آخر فإن الجديد يستغرق وقته كله في هدم ما بناه السابق وفي السباحة ضد تياره.. لذلك نظل في حالة هدم وشطب ومحو بلا نهاية.. لا أحد يبني على ما فعله الآخر السابق، لكنه يهدم ما فعله ليبني من جديد، والذي يحدث أن الوقت لا يسعفه ليبني، فهو يذهب ويأتي الآخر ليشطب ما فعله حتى إذا كان ما فعله هدماً وشطباً.. فهو يهدم المهدوم ويشطب المشطوب.. وقلّما تجد في الدول العربية نظاماً ثابتاً أو منظومة راسخة لا تتغير بتغير الأشخاص.. لا أحد يريد أن يكون تابعاً للمنظومة وإنما يريد منظومة تابعة له.. وكل امرئ لديه خططه وتصوراته ورؤيته المناقضة للسابق.. لذلك لا يقر لنا قرار ولا يعيش لنا مولود.. بل هو دائماً موؤود. وهتاف الخريف العربي الشهير: «الشعب يريد إسقاط النظام.. وارحل ارحل».. كان هتاف المفلسين الذين لا يمتلكون رؤية ولا نظرية وإنما يتصرفون بالمثل العامي المصري (فيها أو أخفيها).. هم يتصرفون بالمنطق العربي العقيم.. الاستبدال هو الحل.. إلغاء قطعة غيار وإحلال أخرى محلها.. لأن إصلاح الشيء أو الأمر يحتاج إلى مبدعين والعرب قوم غير مبدعين.. قوم متبعون لا مبتدعون.. حتى الذين يغردون خارج السرب العربي ولديهم طاقة الإبداع وإصلاح الأمر من داخله لا من خارجه يعانون الأمرّين.. ويجدون مقاومة شرسة لإبداعهم.. واللافتات التي نمارس تحتها غيَّنا ونرجسيّتنا وعنادنا تتغير لكن، الأداء الأحمق لا يتغير.. اللافتات دينية أو علمانية أو ناصرية أو قومية أو ليبرالية أو اشتراكية.. هو هو.. نفس الأداء ونفس الداء.. فالداء في الأداء وليس في اللافتة.. ويتقلب العرب بين الدين والعلمانية والليبرالية والاشتراكية، ولا تجد تغيراً في الأداء، والمعارضة في أمة العرب لا وجود لها، لأن المعارضة في العالم كله هي تصور لإصلاح النظام من داخله وليس إسقاطه.. أما ما عند العرب فهي الرفض.. أنا أريد أن أكون النظام وأن تسقط أنت.. ولا أريد إصلاحك أو إرشادك إلى ما ينبغي أن يكون.. (فيها أو أخفيها)، لن ينصلح الأمر إلا إذا حكمتُ أنا وكنتُ أنا النظام.. وعندما أصبح أنا النظام سيخرج مَن يرفضني ويريد إسقاطي ليحكم هو.. لذلك لا تستقر الأمور في معظم الدول العربية، وهناك دائماً حالة توجس من مأساة البداية من الصفر.. حتى الذين قالوا إن «الإسلام هو الحل»، وأعني بهم «الإخوان»، لم يقولوا أي إسلام من الألف التي تتصارع في أمة العرب.. إنه كلام حق يراد به سلطة وباطل وحكم (فيها أو أخفيها).. وسنظل نتقلب بين اللافتات والنظريات ويبقى الأداء هو بيت الداء!