العربي الحيران.. بين الغرب والجيران!!
عندي دائماً شك كبير فيما يسمى القيم الغربية، وعندي يقين لا يتزعزع بأن الانتهازية هي المبدأ الحاكم للسلوك الغربي، وخصوصاً الأوروبي، في التعامل مع القضايا الإقليمية والدولية.. كما أن يقيني لا يتزعزع بأن كتاب الأمير لميكيافيلِّي هو الدستور الغربي الموحَّد في التعامل مع العالم، خصوصاً مع قضايا المنطقة العربية.. فالغاية هي الأطماع والسيطرة والهيمنة، ومن أجل بلوغها يتخذ الغرب كل الوسائل والسبل، ويخترع فزاعات ضد الدول المغضوب عليها، مثل انتهاك حقوق الإنسان أو القمع أو غياب الديمقراطية والحريات.. كما أن هناك أذرعاً تبدو مستقلة، لكنها في الحقيقة تنفذ الميكيافيلِّية الغربية بكل دقة، ومنها منظمات أو هيئات حقوق الإنسان التي تعتمد على تقارير مفبركة وتنحاز دائماً للمتمردين في دول العالم وتسميهم المعارضة التي تتعرض في رأيها للقمع والتنكيل.. والدليل أن هذه الأذرع تغض الطرف عن انتهاكات صارخة لآدمية الإنسان في دول ما مثل إيران.. وتخترع انتهاكات لا وجود لها في دول أخرى.. حتى فقدت تقارير هذه المنظمات والأذرع قيمتها، ومعناها لأنها مجرد ذرائع للتدخل والضغط على دول غير مرضي عنها، ولغض الطرف عن دول مارقة لأسباب تجارية ومالية بحتة.
وتداعيات الاتفاق النووي بين الغرب وإيران بداية من التوقيع الذي سبقته سيناريوهات مهلهلة وسخيفة، تشعرك بأن التوقيع مستحيل، وانتهاءً بانسحاب إدارة دونالد ترامب الأميركية منه، بعد أن كانت إدارة أوباما الديمقراطية هي مهندس هذه الصفقة الشوهاء والمعيبة.. كل هذه التداعيات كشفت بكل جلاء انتهازية الفكر والسياسة الغربيين.. فالاتفاق النووي مع إيران كان دائماً ظاهرَ العوار وفيه كثير من خداع العالم، خصوصاً العرب الذين زارهم كل الزعماء الغربيين ساعتها من أجل تسويق هذا الاتفاق المعيب.
لقد تبين أنه لم يكن اتفاقاً نووياً، وإنما كان صفقة تجارية وكان هرولةً غربيةً نحو إيران بضغط من الشركات ورجال الأعمال الغربيين الذين يودون استئناف استثماراتهم في إيران وعقد الصفقات معها.. لذلك كسبت إيران كل شيء بلا مقابل.. فالمضحك والمثير للسخرية أن هذه الصفقة قامت على أساس أن تعطي إيران ما لا تملك في مقابل أن تأخذ كل ما يملك الغرب.. بمعنى أن تتخلى إيران عن برنامجها النووي العسكري، وهو غير موجود أصلاً، مقابل رفع العقوبات عنها وإطلاق يدها في المنطقة العربية تعيث فيها فساداً وخراباً ودماراً.
لم يطلب الاتفاق من إيران أن تتنازل عما تملك بالفعل، بل طلب منها أن تتخلى عن شيء افتراضي لا تملكه وهو السلاح النووي.. لم يطلب الاتفاق من إيران أن تتخلى عن برنامجها الصاروخي، أو عن دعم الإرهاب وكل تنظيماته أو عن التدخل في شؤون المنطقة العربية أو تصدير الطائفية إلى الدول العربية.. لم يطلب الاتفاق من إيران أن تكف عما تفعل حقاً.. لكنه طلب منها أن تكف عما لا تفعل.. وكان من الطبيعي أن توافق إيران على الكف عما لا تفعل.. لكنها لن توافق أبداً على الكف عما تفعل حقاً.. والدليل على ذلك أن المرشد الإيراني علي خامنئي قال بالحرف الواحد منذ أيام، وعقب انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي: إن على أوروبا ألا تطالب إيران بالتخلي عن برنامجها الصاروخي أو عن تدخلها في المنطقة العربية، وإذا فعلت ذلك، فإن طهران سوف تلغي الاتفاق وستستأنف تجاربها النووية أو برنامجها النووي الوهمي الذي كان مجرد طعم اصطادت به السمكة الغربية.
والمطالب الأميركية الـ12 من إيران تتضمن التخلي عن دعم الإرهاب، وعن البرنامج الصاروخي، والتدخل في شؤون المنطقة، ووقف مد الإرهابيين الحوثيين في اليمن بالصواريخ البالستية الموجهة إلى السعودية، والتي لم نشهد أو نقرأ أو نسمع ضدها أي إدانة تذكر من الجانب الغربي.. ولا أظن أبداً أن إيران سوف تستجيب لهذه المطالب.. وربما تمارس أوروبا ضغوطاً على الولايات المتحدة لتخفيف مطالبها، وربما ينتهي الأمر باتفاق نووي معيب آخر.. فلا يمكن التنبؤ بالسلوك الغربي وثباته.. وحتى الآن ما زالت إدارة الرئيس ترامب في غاية الصرامة مع إيران، لكن الرهان على الاستمرار أو عدم الاستمرار محكوم ربما بتفاهمات أو صفقات سرية لا نعرف مداها ولا مضمونها، خصوصاً في ظل انتهازية أوروبا الغربية وضغوط الشركات الكبرى، الحاكم الفعلي للدول الغربية.. والأمر في الحقيقة لا يخص إيران أو الغرب فقط.. بل يجب إلقاء اللوم على العرب الذين يبدو أنهم حتى الآن لا يمتلكون أوراق لعب على الطاولة الدولية.. وما زال موقعهم في الجملة العالمية مفعولاً به.. فالصفقات تتم مع إيران وأزمات الدول العربية الطاحنة في سوريا وليبيا ولبنان والعراق واليمن تتداولها قوى دولية وإقليمية دون أدنى تدخل من العرب.. وثقافة لوم الآخرين وتحميلهم تبعات التقاعس العربي أو الغياب العربي لم تعد مجدية.. وهكذا أبرم الغرب وإيران اتفاقهم النووي.. ثم انسحبت منه الولايات المتحدة دون أن يكون للعرب دور في إقرار الاتفاق أو إلغائه. ولست أدري، ويبدو أنني لن أدري، لماذا لا يستخدم العرب أوراقهم، وهي كثيرة جداً في اللعبة الدولية؟ وإلى متى يظل العربي حيران بين الغرب والجيران، سواء تركيا أو إيران؟!