مكرمة للصيادين
يستحق الصيادون الحقيقيون الذين لايزالون يحزمون وجباتهم من الصباح الباكر، وهم معتمرو الرأس بتلك الغترة الحمراء، ومتحزمو الوزار المخطط، وبيدهم بعض الاحتياجات الضرورية لرحلة قد تمتد من الصباح الى المساء أو ليومين وثلاثة أو خمسة أيام يصارعون الأمواج ويتحملون مشاق البحر، ويواجهون ويلاته للعودة بما يجود به البحر، وما كتبه الله لهم من رزق، لتأمين لقمة العيش لهم ولأبنائهم وأسرهم التي تنتظرهم، وعليها أن تفخر بهم لأن هؤلاء البواسل هم وحدهم من صبر إلى اليوم وواجه كل المشاق، وتمرد على رغد الحياة، وظل محافظاً ممسكاً بتراث آبائه وأجداده، وحافظ على ركن مهم من ركائز الموروث التراثي للدولة، وعمل على تأمين نقل مهنة الآباء والأجداء التي كانت في يوم من الأيام هي مصدر العيش الرئيسي بهذا البلد، إلى الأبناء، وأسهم بعطائه وجهده للحفاظ على هذا المورث وحمايته من الاندثار، وحفظه من التدخل الأجنبي الذي سيطر على المهنة، لكن الأوفياء لتراثهم والمحافظين على تراث أوطانهم وحدهم من ظل صامداً في مواجهة كل التيارات.
إن مرسوم الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم بشأن منح صيادي الأسماك في دبي رواتب شهرية تتراوح من خمسة آلاف إلى عشرين ألف درهم، حسب ظروفهم، وما يملكون من محامل، أثلج الصدور، ونشر الفرح بين هذه الفئة والشريحة المهمة في المجتمع التي بحاجة ماسة للنظر إليهم والاهتمام بقضاياهم ودعم أنشطتهم لتعزيز ارتباطهم بمهنة ارتبطت بتراث الإمارات ونخشى اليوم عليها من الانقراض.
في السنوات الأخيرة ظهرت وانتشرت بين هذه الشريحة جمعيات صيادي الأسماك، وهي الجهة التي كان يعول عليها الصيادون لتبني قضاياهم ودعم نشاطهم وتأمين مستلزماتهم، وحماية الصياد المواطن من غزو الآخرين وسيطرتهم على هذه المهنة، وتنظيم الندوات التثقيفية للصيادين من أجل تعريفهم بواجباتهم البيئية، وشرح دورهم المهم والحيوي في المجتمع، لكن بعض الجمعيات تحولت لمجالس يتسامر بها الأعضاء، ويتجمع بها الأحبة الرفاق لتناول الفوالة وشرب الشاي والقهوة نهاراً، ومراكز للعب الورق وغيرها مساءً، ويسترزق منها بعض الموظفين ممن يملكون صلات بأعضاء مجالس إدارات تلك الجمعيات، ولذر الرماد في العيون توفر الشيء القليل من مستلزمات الصيد أقل بنسبة لا تذكر عن أسعارها في السوق، وهو ما حور دور جمعيات الصيادين، ونسف أهدافها التي أنشئت من أجلها.
إن مكرمة حاكم دبي تفتح الباب للتطرق من جديد إلى مشاكل وهموم ومعاناة الصيادين على مستوى الدولة، فهذه الشريحة المهمة تركت تتقاذفها الأمواج لتعاني الكثير من المشاكل والمنغصات التي تحول دون مواصلتها لعملها، والحفاظ على مهنة الآباء والأجداد، يجب علينا وعلى المسؤولين بالدولة النظر لهذه الفئة بفكر ونظرة مختلفة، خاصة مع موجة ارتفاع الأسعار، وغلاء المعيشة، والمتغيرات الاقتصادية التي تشهدها الدولة، والتي أدت إلى ارتفاع تكلفة رحلة الصيد، وضعف العائد منها.
محمد عيسى | m.eisa@alittihad.ae