ما تتعرض له اللغة العربية من تحديات مستمرة في أرجاء الوطن العربي الكبير، يدعو إلى دق ناقوس الخطر، ويوماً بعد يوم تزداد الهوّة بين اللغة وأبنائها، لدرجة أن أبناء الجيل الحالي ينظرون إلى لغتهم العربية على أنها مجرد «تراث متحفي» والتمسك بها نوع من «التخلف» وعقدة الفخر بالتفوق الماضي، وهذا التمسك وقوف على الأطلال. تلعب الصحف (الورقية) اليومية التي تصدر باللغة العربية الفصحى دوراً أساسياً مهماً في الحفاظ على اللغة العربية، على اختلاف مستوياتها، فهي على الأقل تُبقي على الذائقة لدى القارئ باتجاه الفصحى، في غياب أو قلة القنوات التلفزيونية التي تتحدث بالفصحى، والتي لم نعد نسمع بها إلا فيما ندر في نشرات الأخبار أحياناً، ليس هذا فحسب، بل إن هذه القنوات التلفزيونية بما تبثه من برامج باللغة العامية المبتذلة، تهبط بالذائقة الفنية للمستمع العربي، وللأسف شعبية هذه البرامج في سلاسل (ستارية أكاديمية) دليل على نجاحها (جماهيرياً)، ويبدو أننا نعيش أزمة حقيقية في الذوق العام كلياً، وليس في تذوق اللغة العربية فقط، فقد لعب هذا الضخ الهائل من الأغاني والأعمال الفنية ذات المستوى الهابط جداً في اللغة وغير اللغة دوراً سلبياً، وليست لهذه اللغة المقدمة هوية فلا هي فصحى لاعامية، فالعامية أحياناً تكون مقبولة إذا كانت في إطار محليتها الصحيحة، وأقصد هنا اللهجة الخاصة بكل مجتمع، فمن المسلسلات المصرية، والسورية، والخليجية، باللهجات المحلية لكل منها، ما يستحق (المشاهدة والتقدير) ما دام في إطار القيم والأخلاق العامة، وما دام يناقش القضايا الخاصة بكل مجتمع، بكل جدية واحترام لذوق وعقل المشاهد.. أما هذه البرامج السطحية، والتسطيحية فلا شك في أنها تلعب دوراً سلبياً في هبوط الذائقة الفنية، وجيل هذا اليوم لا يحسد أولاً على ما يبث له ولا يلام على تفاعله مع هذه البرامج، لأنه يعاني فراغاً معرفياً، وثقافياً، وفنياً. أبناء هذا الجيل محاصرون بهذا الكم الهائل من التسطيح في الثقافة، وعلى الرغم من ارتفاع مستواهم المعرفي التكنولوجي، إلا أنهم غارقون في وحل (الفضائحيات الهابطة المبتذلة). الكثير منا يخجل عندما يقلّب القنوات الفضائية وهو يرى هذه الأغاني (الفيديو كليب) التي تقدم «إباحية مقنعة» أو حتى غير مقنعة للجيل، وكم هي محرجة للآباء والأمهات! والمحرج أكثر أن الأبناء أصبحوا يرون في «اللقطات غير اللائقة التي تؤذي وتخدش بل، تجرح وتشق الحياء، أمراً عادياً. والتكاثر اللامعقول للمواقع الإلكترونية «اللهويّة» يؤدي أيضاً دوراً سلبياً في تخريب ذائقة الجيل الحالي، إذ لا نكاد نرى مواقع هادفة أو على الأقل فيها فائدة وترفيه راق، فالمواقع الترفيهية ضرورية للنشء، ولكن للترفيه مبادئ وشروط فالترفيه لا يعني «التسفيه»، وما يدسه بعض هذه المواقع في وجبات ظاهرها مغرٍ، وباطنها «سم زعاف». يثير اهتمامك موقع (يدعي أنه يعالج قضايا اجتماعية أو ثقافية، أو فنية، فتدخل عليه فتجد فيه العجب العجاب!) وبعض هذه المواقع يتخذ من «واجهة الإسلام» ستاراً، ليدس ما يُخْجِل وما يندى له الجبين! تبقى الصحف اليومية والرسمية بشكل خاص والصادرة بالفصحى، الأمل في الحفاظ على اللغة العربية والأخلاق والقيم، وعلى اختلاف مشارب ومستويات هذه الصحف من المحيط إلى الخليج تبقى الحصن الأخير في البنيان الذي يتعرض للنخر يوماً بعد يوم..