العشق «2»
من التعريفات الجميلة للعشق تعريف للسيوطي، إذ يقول: “العشق: من سمح الجواهر، وكرم المفاخر، وتداعي الضمائر، واتفاق الأهواء، وامتزاج الأرواح، وازدواج الأشباح، وتخالص القلوب وتعارف الأفئدة، لا يكون إلا من اعتدال الصورة، وذكاء الفطنة ورقة الحاشية، وصفاء المزاج، واستواء التركيب والتأليف، لأن معنى علله علوية، تنبعث خواطره بحركات فلكية، ونتائج نجومية”.
وقد جرى جدل حول أسباب وقوع الهوى وكيفيته، وهل يكون ذلك من نظرة أو سماع واختيار أم عن اضطرار؟
وذكر أبقراط: “الهوى امتزاج النفس بالنفس، كما لو امتزج الماء بماء مثله، عسر تخليصه، بل لا يمكن ذلك بحيلة من الاحتيال البتة. والنفس ألطف من الماء، وأرق مسلكاً، فهو لذلك لا يزيله مرور الليالي ولا تخلقه الدهور، ولا يدفعه دافع توعر على الأطباء مسلكه، وخفي عن الأبصار موضعه، وحارت القلوب دون كيفيته، غير أن ابتداء حركته وعظيم سلطانه من القلب، ثم ينقسم إلى سائر الأعضاء. فتبدأ الرعدة في الأطراف والصفرة في الألوان، واللجلجة في اللسان، والزلل والعثار في النطق، حتى ينيب صاحبه إلى النقص.
وقيل:
علامة من كان الهوى في فؤاده إذا نظر المحبوب أن يتحيَّرا
ويصفر لون الوجه بعد احمــراره وإن خاطبـوه بالكلام تعسَّرا
وقال الصمة القشيري:
وإني لتعــــــروني لذكراك هـــزَّة كما انتفض العصفور بلله القطر
أما أمارات العشق، فهي طمع يتولد في القلب، وينمو، وتسري إليه مواد الحركة، فكلما قوي ازداد صاحبه في الاهتياج واللجاج، والتمادي في الفكر، والهيمان وضيق الصدر.
ويقول ابن الفارض:
هو الحب في سلم بالحشا فالهوى سهلُ فما اختاره مضنى به وله عقلُ
وعش خالياً فالحب راحته عنا وأوله سقم وآخره قتلُ.
واشتهرت قبيلة عذرة بالحب العفيف، وصار يُطلق على من أحبّ بعفة العذري نسبة إلى قبيلة عذرة، حيث شاع صيتهم في العفاف في الحب، وروي عن سعيد بن عقبة الهمذاني أنه قال لأعرابي حضر مجلسه: ممن الرجل؟ قال من قوم إذا عشقوا ماتوا فقال: عذري ورب الكعبة! ثم سأله علة ذلك فقال: لأن في نسائنا صباحة وفي فتياتنا عفة وفي معناه أنشد حرب:
ما أن دعاني الهـــوى لفاحشــة ألا عصــاني الحيـــاء والكرم
فلا إلى مـــحرم مـــددت يــدي ولا مشـــت بي لزلـــة قــدم
وما يدل على كثرة وقوعه واختصاص قوم بمزيد منه فكثير، فمن ذلك ما أخرجه التنوخي عن عروة بن الزبير قال: قلت لعذري: إنكم أرق الناس قلوباً يريد أصباهم إلى الحب، فقال: نعم لقد تركت ثلاثين شاباً خامرهم السل ما بهم داء إلا الحب، وقيل لشخص منهم مثله فقال كقوله وزاد لكن غلبتنا بنو عامر بمجونها وفي منازل الأحباب للشهاب محمود ليس حي أصدق في الحب من بني عذرة ولا نضرب الأمثال فيه إلا بهم.
وقال الرشيد أيضاً:
ملك الثـــلاث الآنســات عناني وحللن من قلبي بكل مكان
ما لي تطاوعنــــي البريـــة كلها وأطيعهن وهـن في عصيـاني
ما ذاك إلا أن ســـلطان الهوى وبه قوين أعـز من ســلطاني