اعتاد الناس على التعميم، وعلى إطلاق أحكام تعميمية تطال الآخرين، كما تطال السلوكيات والظواهر والأفكار، وصارت التجربة الجيدة أو السيئة مع أي شخص تعني إطلاق حكم عام بنتيجة تلك التجربة على كل من له علاقة بذلك الشخص، خاصة حين ينتمي إلى شعب من الشعوب أو أمة من الأمم ينظر لها البعض بدونية.
ولا أدري فيما إذا كان التعميم طبيعة إنسانية متأصلة يمارسها معظم البشر في حياتهم وعلاقاتهم، أم أنها سمة عربية أو شرقية بمعنى أكثر دقة، حيث يميل التعميم إلى الانفعال والعاطفة أكثر من احتكامه للمنطق والعقلانية، ومعروف عن الشرقيين أنهم عاطفيون وانفعاليون بشكل كبير “وهذا تعميم أيضاً”.
أتساءل أحياناً لماذا نعمم؟ ولماذا حين نعمم نختار السلبيات عادة لنلصقها بالآخرين، هل من العقل أنك إذا تماديت في إظهار الطيبة- أو السذاجة ربما- والكرم الحاتمي الفائض عن الحاجة، والاستعراض الساذج بالمال والمقتنيات، ألا تكون عرضة للسرقة والنصب والاحتيال؟ وحتى إن وجد أناس معروفون بدقتهم وشطارتهم في أمور النصب وصادف أنهم ينتمون إلى جنسية بعينها، هل يعد ذلك مبرراً لأن نصف شعب يتجاوز تعداده الـ100 مليون بني آدم مثلاً بكل صفات الإجرام المتخيلة وغير المتخيلة؟ هل ذلك من الإنصاف في شيء؟ فإذا نحينا الإنصاف جانباً، فهل ذلك من العقلانية والمنطق؟.
لماذا لا نجرب العكس؟ لماذا إذا تعرضنا للنصب والاحتيال والاستغفال لا نعمم على أنفسنا إحدى تلك الصفات السيئة التي تدفع الآخرين للتعامل معنا على أننا مشاريع نصب سهلة ومتاحة؟ هل سيكون مقبولاً- مثلاً- أن نقول عن أنفسنا نحن «أغبياء أو سذج أو هبل»؟ بالتأكيد فإن الأمر ليس مقبولاً كما أنه ليس صحيحاً بالمطلق، وفي كلتا الحالتين أو من كلا الجانبين فإن الحكم جائر وغير عقلاني، كما أنه لا ينم عن نضج أو تطور أخلاقي أو حضاري، فلا يوجد شعب أو أمة يجوز أو يحق لنا أن نسمها بخلق معين، خاصة إذا حمل سمة سلبية ومعيبة مثل النصب والكذب والنفاق.. إلخ، مع أنه يحدث كثيراً اليوم أن يوصف شعب بالسذاجة والبخل ويشيع عنهم ذلك عبر سيل من النكات والحكايات الساخرة، لكن هذه تظل طريقة تعبيرية لا تحمل صفة القطع بقدر ما تشكل نوعاً من النقد والتهكم.
التعميم خطيئة العقل الأولى، وهو نابع من خطيئة أكبر هي الكِبر والاعتداد بالرأي، فكلما اعتبرت رأيك صواباً دائماً لا يحتمل الخطأ وأن الآخرين على خطأ دوماً، كلما تعثرت خطاك في تعاملاتك الإنسانية وسقطت في هذا المطب، مطب التعميم، فيتحول فلان الذي سرقك مثلاً أو احتال عليك أو طلب رشوة مقابل تمرير معاملتك في المؤسسة التي يعمل فيها، أو عرقل أمورك أو .. يتحول الفعل الفردي المحصور في المسافة الضيقة بين ذاك الشخص وبينك إلى صفة تنتشر لتشمل ملايين البشر يسكنون آلاف الكيلومترات من الأرض، بينما هم لا ناقة لهم ولا جمل فيما حدث، إذ ربما دفعت ذاك الشخص ظروف معيشته، أو جيناته الوراثية، أوضغوط الظرف الحياتي أوانحراف السلوك الشخصي فيه أو انعدام التربية.. وغيرها إلى فعل ما فعل، بينما هناك في بلده الذي عممت عليهم ما لم يرتكبوه ملايين من أفاضل الناس ومحترميهم ورجال العلم والفكر والتربية والأدب والسياسة والشعر والموسيقى، وممن لا يجوز التفكير بالتطاول عليهم ولو غيابياً.
التعميم صفة كريهة غير لائقة بإنسان متحضر، وبعقل يدعي العلم والمعرفة، المزاح وارد، لكن حتى في المزاح علينا أن ننجو من هذه اللوثة.


ayya-222@hotmail.com