الأربعاء 15 ابريل 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم

فن تجنّب الخصومات وعبور الأزمات

فن تجنّب الخصومات وعبور الأزمات
29 نوفمبر 2012
هذه هي الطبعة الرابعة الأنيقة من كتاب “بقوة الاتحاد ـ صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان القائد والدّولة”، والتي تتبنّى دراسة علمية موثقة لتحليل “التجربة الاتحادية” الفريدة لدولة الإمارات العربية المتحدة، كما تبلور أصول الريادة الحضارية عند فقيد الوطن الكبير المغفور له بإذن الله، تعالى الشيخ زايد، طيب الله ثراه، فهو الزعيم التاريخي الذي شكّل عهده بحكمته الفذة نقطة انطلاق حضاري لوطنه وأمته. وكانت الطبعة الأولى من هذا الكتاب القّيم المرجع الذي أشرف على إنجازه مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، قد صدرت عام 2004، والثانية عام 2005، والثالثة عام 2010، وهذه الطبعة الحديثة تؤكد على مدى قيمة هذا المنجز الثقافي، وما لقيه من أصداء واسعة واهتمام منقطع النظير بين الجمهور والباحثين من كافة المستويات والجنسيات، ما أدّى الى نفاد طبعاته في وقت قياسي، في حين يصبح للطبعة الأخيرة مذاقها الخاص، تزامناً مع احتفالات الدولة باليوم الوطني الحادي والأربعين، ما يؤكد أن زعامة وريادة القائد المؤسس لا يمكن أن تتحول الى مجرد مرحلة تاريخية تنتهي دلالاتها بانتهاء فترتها الزمنية، لأنها جزء حيّ ومتجدد وملهم لانطلاقات حضارية تالية تنهض بها الأجيال الجديدة. ويؤكد المشرفون على المركز في كلمة تتقدم مضمون الكتاب أن هدفهم الرئيس من وراء هذا الاصدار، هو تقديم دراسة علمية تتناول مختلف جوانب شخصية الشيخ زايد ورؤاه ومسيرته السياسية، ونقتطف مما جاء في كلمة المركز ما يلي: “إننا حين أصدرنا هذه السّيرة ـ في طبعتها الأولى ـ لم نقصد أن تكون تمجيداً ومديحاً لشخص صاحبها، والذي كان رحمه الله، أكبر من أن يحتاج الى من يثني على مناقبه التي لا حصر لها، أو يعدد إنجازاته التي قلّما نجحت شخصيات في تاريخنا الحديث والمعاصر في أن تحققها وبجدارة يشهد لها القاصي والدّاني، وإنما كان هدفنا تقديم دراسة علمية تتناول مختلف جوانب شخصية الشيخ زايد ورؤاه ومسيرته السياسية، واليوم إذ نصدر هذه الطبعة من هذه السيرة، بعد أن مضى صاحبها الى ربّه راضياً مرضياً بإذنه تعالى، فإننا لا نهدف أن تكون تأبيناً، أو رثاء فحسب، بل مصدراً تاريخياً موثوقاً لكل من أراد أن يستزيد من سيرة قائد فذّ صنع تاريخاً ووحدة أمة وبنى دولة، وأملنا في أن تبقى هذه السّيرة ملهمة لكل من ينهل منها، وأن تكون نبراساً تنتفع بها مختلف الأجيال”. تاريخ وتطور تبرز محاور الكتاب أهمية الخط السياسي الثابت الذي التزم به الشيخ زايد، عبر تاريخ أبوظبي ومراحل تطورها، وصولاً إلى مولد الدولة وتقدمها، والتأكيد على أن التنمية التي شهدتها لم تكن بمعزل عن الرؤية السياسية المثالية الشاملة له من خلال تحقيق كافة وسائل الرفاهية الاجتماعية لجميع المواطنين، وانشغاله بصياغة مفهوم متكامل للوحدة السياسية، واهتمامه بالبيئة والموارد الطبيعية. لذا نجد أن هذا الكتاب يصدر في شكل دراسة تحليلية للمنهج السياسي للشيخ زايد أكثر منها سيرة ذاتية له، وإن كان يحتوي على جملة من التفاصيل الشخصية عن حياته، كما يتوقف هذا المنجز في إطار سردي توصيفي جميل عند قدرة الشيخ زايد المحنّكة على القيادة، ومهاراته السياسية المتأصلة، وعزمه الذي لا يلين على تحقيق (الوحدة الصافية) والتنمية السلمية، وبذلك يمكن القول بأن إنجازاته العظيمة تضعه في مصاف الزعماء التاريخيين الكبار الذين نجحوا عبر التاريخ في بناء أممهم. منوهين بأنّه وعبر التاريخ الطويل لم ينجح سوى قليل من القادة أصحاب الفكر والرؤية والعزيمة في بناء صرح دول راسخة بالإقناع والاتفاق. لقد كان إنشاء دولة الإمارات العربية المتحدة في 2 كانون الأول/ ديسمبر 1971 تحت القيادة الحكيمة للشيخ زايد مؤسس الدولة، وباني نهضتها مثالاً حيّاً لبناء هذه النوعية من الدّول، ما جعله يستحق عن جدارة مكان الصدارة بين أعظم رجال الدولة على مرّ العصور. وبرغم ثقل المسؤولية وخطورتها الجسيمة، وبرغم قيود السّلطة ومشاكلها التي لا تنتهي، فإن الانجازات الإيجابية التي حققها منذ بداية توليه للمسؤولية، كانت نبعاً متجدداً للأمل والرجاء في مزيد من التقدم والازدهار، فقد اعتاد معظم الزعماء والساسة والقادة على الشكوى من جسامة المسؤولية وهمومها المتجددة التي أفقدتهم القدرة على ممارسة الحرية الشخصية والاستمتاع بالحياة، كما يفعل الأفراد العاديون، لكن الشيخ زايد ـ رحمه الله ـ كان يجد في المسؤولية (رسالة مقدسة) لا بد من أدائها على خير وجه، وهذا الأداء الموفق والناجح شكّل عنده مصدرا للتجدد والتفاؤل والسعادة، بما ينعكس على سعادة وطمأنينة الشعب. تقديم ورؤية الكتاب الذي يقع في 425 صفحة من القطع الكبير حظي بتقديم لافت كتبه الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، رئيس مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية. ويلخص سموه في تقديمه لهذا المنجز كل ما جاء في محتواه من خلال كلمات رشيقة تركز على الثوابت في شخصية القائد المؤسس، مؤكداً أن “الزعيم التاريخي” يستلهم خياله السياسي بعيدا عن القوالب الجامدة والأفكار التقليدية والاتجاهات السائدة، لكن هذا لا يعني أنّه يبدأ من فراغ، لأنه يستوعب ويستفيد من كل تجارب الماضي، سواء الوطنية منها أو العالمية، وبذلك استطاع أن يحلّ المعادلة الصعبة التي تحتم الجمع بين الأصالة والمعاصرة”. وهنا نقتطف بعضا مما جاء في تقديم سموه: “عندما تقدّم مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية بفكرة حول إعداد كتاب يتناول سيرة المغفور له ـ بإذن الله تعالى ـ سمو الوالد الشيخ زايد بن سطان آل نهيان، مؤسس دولة الإمارات العربية المتحدة، وباني نهضتها ـ وكان ذلك في أثناء حياته ـ تحمّست للموضوع كثيرا، ويعود ذلك الى أسباب عدّة، أولها، أن الرؤية التي طرحت عليّ كانت جديدة، تتبنى منهجاً علمياً موضوعياً وجاداً في كتابة سيرة حياة الوالد القائد، ما سيميز هذا الكتاب عن غيره من السّير الذاتية الأكثر شيوعاً، بالإضافة الى اعتماد الكتاب المعايير الأكاديمية من أجل تقديم رصد موثوق لحياة الشيخ زايد وإنجازاته، ذلك القائد الذي امتزج تاريخه بوطنه، والذي يعود إليه الفضل بعد الله تعالى في انتقال ذلك الوطن من مجرد فكرة الى حقيقة واقعة ننعم بوجودها جميعاً بوجودها، ونشرف بالانتماء إليها. إنه من دواعي فخري واعتزازي أن أتشرف بالتقديم لهذا الكتاب الذي يسعى إلى دراسة الظروف والعوامل التي أثرت في شخصية سمو الوالد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان،رحمه الله، وأعطته مهارات وقدرات فريدة، وأهّلته لتحمل مسؤولياته كقائد ومؤسس لهذه الدولة، ووالد لأبنائها، متجاوزاً العديد من الصعوبات، ومتخطياً الأزمات المتلاحقة، التي ربما كان لها أن تثني الآخرين عن مساعيهم، إلا أنها لم تزد سموه إلا إصراراً وعزماً على المضي قدماً نحو هدفه منذ مرحلة مبكرة، ويتمثّل في حماية بلده وشعبه والارتقاء بهما. وقد حرص سموه على تحقيق ذلك، من خلال تعاون اتّسم بالإيثار مع إخوانه حكام الإمارات، ساعياً إلى تحقيق ذلك، من خلال تقاسم الإمكانيات والموارد لما فيه المصلحة العليا للجميع. لقد انطلق سمو الشيخ زايد منذ الأعوام الأولى عازماً على تولّي المسؤولية العظيمة المتمثلة في صنع مستقبل أفضل لإنسان هذا الوطن، وضمان الحياة الكريمة له، وكانت غايته بناء دولة الامارات العربية المتحدة الحديثة، وتطلّب ذلك منه صياغة استراتيجية قومية واضحة. أتطلع آملاً أن يكون هذا الكتاب الرائد إضافة نوعية الى مجموعة المؤلفات القيّمة التي كتبت عن المغفور له بإذن الله تعالى، سمو الوالد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مؤسس الدولة، وباني نهضتها، وأن يسهم في تقريب الصورة للقارئ الذي لا شك في كونه حريصاً على تقصّي مواضيع التميز والابداع التي اتسمت بها شخصية سموه، وانعكست بدورها على الإنجازات والإسهامات الحضارية التي اختطها على مر السنين، وعلى مختلف الصعد، لذا أتوقع أن يمهد هذا الكتاب بدوره الطريق لعدد آخر من الكتب والمؤلفات”. (الكتاب ص 8 و9). التكامل والتضامن يركز الكتاب في مفاصله وأبوابه الثلاثة على اهتمام الشيخ زايد بقضايا السلام وتحقيق الوفاق والمصالحة، وتوطيد دعائم الأمن، ولهذا اعتبره كثيرون بأنه كان (صمّام أمان المنطقة)، كما اهتمامه بالتطوير والتحديث، وقد أدرك بفطنته أن رياح التغيير لا تقاوم، وقد أتاح له هذا الفهم الواعي لحركة الحياة في نهاية المطاف أن يغتنم الفرص التي أتاحتها التغيرات التي تمر بها المنطقة، في أن يوظفها لمصلحة أبناء وطنه. ومن المحاور المهمة في الكتاب تلك التي تعرضت لما يتعلق بنجاحه في تحقيق التكامل والتضامن والتعاون من خلال نظرة ثاقبة للشيخ زايد، وتلخصت في رؤيته التي تخطّت الآنية الى رؤية تتجاوز حدود الدولة الواحدة، وتتجاوز أيضا القوى التي كانت تستخدم فكرة التعاون بوصفها مجرد شعار ظاهري، الى فضاء ورحاب ممارسة أكثر أصالة واتساعاً وشمولاً، فقد نادى ـ رحمه الله ـ بالتكامل والتضامن العربي بوصفهما أساسيين لتحقيق التنمية والتطور في دول الخليج العربية، وبقية الدول العربية، مجسداً بذلك رؤيته للمصير المشترك للأمة العربية بأكملها، وفي السياق استخدم مفهومي الوحدة والاتحاد كوسيلة للجمع بين إمارات الساحل المتصالحة التي كانت متفرقة في دولة واحدة، هي دولة الامارات العربية المتحدة، كما استخدم كل إمكانيات دولته الاقتصادية لدعم المطالب الشرعية لأمته العربية عام 1973، وآمن دائماً بأن الإخاء والتعاضد بين المسلمين يأتي انعكاساً لمفاهيم الأخوة بين البشر التي يدعو إليها الاسلام. وعلى امتداد حياته السياسية ظل يطرح على زعماء العالمين العربي والإسلامي رؤيته الراسخة لقضية التضامن العربي، التي اعتبرها وسيلة لتحقيق نظام عالمي أكثر عدلاً واستقراراً. إذن هي استراتيجية عقلانية، كان من أهم ركائزها العمل الدؤوب على تجنب كل المشكلات والعقبات التي يمكن أن تعرقل مسيرته الحضارية، وفي مقدمة هذه المشكلات، الخصومات التي يمكن ان تتفجر مع الدول الأخرى لسبب أو لآخر، لدرجة أن استراتيجية زايد، تبدو في كثير من الأحيان وكأنها (فن تجنّب الخصومات) وعبور الأزمات، وتجاوز المشكلات التي لا يمكن أن يعود الخوض بها بأية نتائج إيجابية، فهي تضييع للوقت وإهدار للطاقة التي يمكن استغلالها في مجالات مثمرة بعيدة عن احتمالات الأزمات، لذلك كان فكره الاستراتيجي يتجه دائما الى السعي الدؤوب من أجل القضاء على كل بؤر العداء والخصومة التي يمكن أن تتفجر من حين لآخر، سواء على المستوى القومي أوالعالمي. القائد والشعب يؤكد أحد محاور الكتاب أن النجاح الكبير والنوعي الذي حققه الشيخ زايد في تأصيل تجربته السياسية وفي الحكم، تحقق وقام على أساس الاتصال الوثيق الذي بناه منذ مطلع حياته السياسية مع القاعدة الشعبية التي أيدته، وشدّت على أياديه في مواصلة مسيرة البناء والتحديث التي كان في صدارتها بناء الانسان جنباً الى جنب مع بناء الوطن، ونقتطف: “لم تقتصر تلك الصلة على كبار شخصيات المجتمع وزعاماته القبية، ولكنها شملت كل فئاته، فقد تبدت بوضوح درجة ترابطه مع عامة الناس ومعايشته همومهم وآمالهم ومتطلباتهم الأساسية بصورة تفوق الوصف. إن تركيبة المجتمعات الخليجية وتاريخها لهما سمات خاصة، فالبنية الاجتماعية في المنطقة لا تزال تقليدية وقبلية في جوهرها، وتوضح سيرة الشيخ زايد الظروف والأسباب التي جعلته يتقن مهارات الدبلوماسية والتفاوض والتعامل الشخصي المباشر مع أبناء شعبه، كما يوضح لنا سجله الحافل بالإنجازات الكبيرة مدى قدرته على اختيار الطرق المناسبة بتحقيق أهدافه المرجوة بعيدة المدى عن طريق استخدامه الرشيد لكل الموارد المتاحة. إن العلاقة الوثيقة والمستمرة مع أبناء شعبه، هي التي وفّرت له أفضل قاعدة لتحقيق هذا النجاح المستمر، وبالقدر نفسه أثبت الشيخ زايد تفرده وبراعته في تعامله مع إخوانه الحكام ومع الأسرة الدولية، ولقد كان أسلوبه في النقاش والتشاور المتسم بالمهارة والقدرة على الإقناع هو العامل الأساسي الذي مهّد لقيام دولة الإمارات العربية المتحدة، داحضاً مقولات أولئك الذين كانوا يعتقدون أن الوحدة مستحيلة، وأنها إذا ما تحققت فلن تدوم طويلاً”. (الكتاب ص 18). لكن الوحدة تحققت ودامت وما زالت تؤتي ثمارها خيراً وتقدماً وازدهاراً، ونجحت التجربة الوحدوية الفريدة من نوعها على المستوى العربي على أقل تقدير، وتحققت من خلال قائد تاريخي، كسر القاعدة في الحكم والقيادة من خلال (الوعي الوحدوي). ولعله من أبرز أصول الريادة الحضارية عند الشيخ زايد، وهو وعي ينهض على منهج عملي وعلمي واقعي بعيداً عن الإثارات العاطفية والشعارات الفضفاضة. من هنا نعبر الى الباب الثالث والأهم في هذا الكتاب ويحمل عنوان (الاتحاد)، ويتضمن الفصل الأول موضوعات حول مولد الدولة، والثاني حول بناء الدولة، والثالث حول الدفاع عن الدولة والمحافظة على منجزاتها، والرابع والأخير بعنوان: “بقوة الاتحاد”. الحلم الكبير استعرض الفصل الأول من الباب الثالث من الكتاب الخطوات التي أفضت الى مولد الدولة بدءاً من تولي الشيخ زايد مقاليد الحكم في أبوظبي، حينما اعتبر هذا المنصب فرصة لترجمة مبادئه الى خطوات عملية والمضي قدما في تنفيذ رؤيته للوحدة والتطوير والتنمية الشاملة، مروراً بتأصيل أطر لمفهوم الوحدة ببعد أخلاقي، فهي لم تكن مطلقاً مجرد وسيلة لتحقيق مصلحة سياسية ضيقة، وإنما كانت في ذهنه مبدأ فلسفياً يمثل جوهر الوجود الإنساني وضمانه واستمراره، وبقدر إيمانه الشديد بالوحدة كان الشيخ زايد ملتزماً ببذل كل ما يستطيع لتحقيق التقدّم الذي لم يكن مطلباً إنسانياً فحسب، بل جزءاً من إيمان روحي عميق دفعه الى أن يعمل لما فيه المصلحة العامة، وأكد هذا المعنى بقوله: “إذا رضي الله عن القائد بعثه الى أمة يرضى عنها، وهداه الى أن يقود أمته الى سواء السبيل الذي يرضاه، فصلاح الأمة ورفعتها ليس بيد الانسان أبداً، وإنما بيد الله سبحانه وتعالى، فإذا أحبّ الله عباده ورضي عن سيرتهم وعن أعمالهم، فإنه يهيئ لهم من أبنائهم قادة يجتمعون على طريق الخير، ويرفعون مستوى مواطنيهم” (الكتاب ص 208). تتابعت الخطوات نحو (الوحدة) سريعة قوية وثّابة رغم عديد المصاعب والعقبات، وتحت عنوان فرعي (الطريق نحو الاتحاد) تبدأ أول فصول قصة الشيخ زايد مع تحقيق حلمة بالاتحاد الكبير، فقد انطلقت الخطوات الحثيثة نحو وضع إطار سياسي جديد للمنطقة في منتصف كانون الثاني/ يناير 1968، حتى تحقيق الاتفاقية الرائدة بين أبوظبي ودبي، وهي التي فتحت الآفاق أمام إقامة اتحاد أشمل نحو بقية الإمارات، وكانت منهجية الشيخ زايد في إبرام اتفاقية الوحدة هذه أول مؤشر الى الطريقة التي سيتبعها في المفاوضات المؤدية الى الوحدة السياسية المطلوبة، لقد كانت في الواقع فكرة طموحة وجريئة حظيت بترحيب عربي وعالمي، وخلال الفترة ما بين 1968 ـ 1971، أعلن الشيخ زايد رأيه الحاسم في مسألة قيام الاتحاد، وقد اختاره حكام الامارات المعنية رئيسا للاتحاد المقترح بالإجماع واختيرت أبوظبي عاصمة للاتحاد الجديد، حتى إعلان مولد دولة الامارات العربية المتحدة في الثاني من كانون الأول/ ديسمبر 1971، ومن ثم رفع علم الدولة الجديدة في قصر الجميرة في دبي، وجاءت ألوانه: الأحمر والأخضر والأبيض والأسود. لتعبر عن ارتباط تقليدي بالإمارات التي شكّلت الاتحاد الوليد، ويتمثل الجانب المميز للإنجاز الذي حققه الشيخ زايد في إنشاء الدولة الجديدة بمشاركة كل إخوانه الحكام الذين وقفوا الى جانبه، وهو يرفع العلم الجديد، في المزج بين القيم الاخلاقية السامية والتفهم العميق للحاجة الجوهرية الى تحقيق الاستقرار والازدهار الاقتصادي، ومن ذلك قول الشيخ زايد رحمه الله: “إن مسيرة الاتحاد تنمو وتتقدم من مرحلة الى أخرى، وفي كل مرحلة علينا أن نراجع ما تحقق، حتى نواصل المسيرة، ونسرع الخطى لتحقيق آمال شعبنا، إن أمتنا تنتظر منا أن نحقق لها ما يسعدها، وأن ننتقل بها الى ما هو أفضل” (الكتاب ص 232). دولة جديدة في صبيحة يوم أغر من أيام كانون الأول/ ديسمبر 1971 ارتفع علم جميل الألوان والتكوين أمام مقر منظمة الأمم المتحدة في نيويورك، إنه علم دولة ناشئة، انضمت حديثا إلى المنظمة الدولية، هي دولة الامارات العربية المتحدة، وارتبطت مجموعة الألوان التي شكّلت العلم بأعلام جميع الإمارات التي تكوّنت منها الدولة الوليدة من غير أن ترمز الى إمارة معينة دون غيرها، وتم اختيار الشعار المميز للدولة الجديدة بالقدر نفسه من الدّقة، وهو الصقر رمز تراثها، بالإضافة الى القوارب التي تعكس الارتباط التقليدي لأبناء الإمارات بالبحر. حتى وصلنا بجهود المغفور له بإذن الله تعالى، الشيخ زايد “طيب الله”، وجهود إخوانه أصحاب السمو حكام الامارات، أعضاء المجلس الأعلى للاتحاد، الى دولة ناهضة، طموحة، تحتل مكانتها الرفيعة على الخريطة السياسية العالمية بكل جدارة واقتدار، لتتواصل إنجازات مسيرة الاتحاد الظافرة حتى اللحظة بفضل جهود وحكمة وريادة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله، الذي نهل من نفس مدرسة زايد، بل سار على نهجه في تطوير رؤية هذه المسيرة الجديرة بالتقدير والاحترام. لكن تبقى كلمة مهمة: نظرا لأن طموح الزعامة التاريخية عند الشيخ زايد طموح قومي، وليس طموحا شخصيا، فهو يفرّق بفكره الثاقب بين نوعين من الطموح: أولهما الطموح الذاتي الذي ينبع من نرجسية الزعيم وذاته المتضخمة بحيث يجعل من ذاته هدفا ومن الوطن كله مجرد وسيلة لتحقيق هذا الهدف. وثانيهما: الطموح الموضوعي القومي الذي لا يهدأ له أوار، بل تتألق شعلته دائما مع كل إنجاز جديد يشعر به الجميع على أرض الواقع. أي ان الزعيم يجعل من ذاته مجرد أداة او وسيلة لتحقيق مجد الوطن ورفعة الأمة، وفي هذا يقول رحمه الله: “الطموح له طريقان: أولهما: طموح الغرور، وثانيهما: طموح أداء الواجب، والثاني هو الذي أسعى إليه دائما لإنجاز الأعمال، وهو طموح توافقونني على أنه طموح مطلوب وواجب، وخاصة إذا كان لخدمة شعبي”. شخصية القائد يختتم الكتاب بمقولات عديدة ومهمة حول شخصية الشيخ زايد، وحول مسيرته وفكره واستراتيجيته في السياسة والاقتصاد والحياة، وحول علاقته بالتراث، وعملية التغيير، وتجاربه المبكرة في هذا السياق حتى نصل الى مفهوم خاص في السياسة والحكم والتعامل مع القضايا الجوهرية، حتى تفضي الدراسة الى أن المهارة الكبرى التي برع فيها الشيخ زايد متمثلة في قدرته على غرس رؤية نوعية لمستقبل زاهر في نفوس أبناء شعبه، وتنبيههم الى المخاطر المحتملة مع توجيههم في الوقت نفسه الى ضرورة الاستخدام الأمثل للموارد الطبيعية التي حباهم الله إياها، وفي المقابل نجدهم قد منحوه ثقتهم واعتزازهم به، وغمروه بحبهم وإعجابهم وتقديرهم، ولعل من البديهي في ضوء كل ما تكشف لنا من خلال هذا الكتاب عن شخصية هذا القائد العظيم أن نقول إنه يعتبر هذه المحبة والإعجاب أبلغ تكريم وتقدير لشخصه. رحم الله الشيخ زايد، فقد كان عظيماً وكريماً وفريداً في الزعامة الديموقراطية والقيمة الانسانية والوعي الوحدوي والتوجهات النادرة في السياسة والحياة وتحقيق الأمن القومي، وتحقيق التناغم بين كل فئات الشعب والمجتمع وصهرها جميعا في بوتقة واحدة عنوانها الأصالة والكرم والشفافية، هذه المنظومة الفكرية والروحية والثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية الفريد من نوعها هي التي حددت معالم الطريق لدولة الإمارات صوب مستقبل مشرق ومزدهر، جعل منها دولة ذات قيم وأخلاقيات على طريق المحبة والسلام، وحوار الحضارات والتمازج الثقافي الحقيقي بين الشعوب التي تعيش بأمان على أرضها. إنها في الواقع ملحمة الزعيم والقائد والمؤسس الذي زرع الأمل في الجيل الجديد من القادة، لهذا بقيت وظلّت الامارات تحت أضواء باهرة وكاشفة لإرادة الإنسان المعتز بماضيه ومستقبله تحت قيادته الرشيدة والحكيمة ممثلة بجهود وريادة الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله، تحت منظومة ومقولة خير خلف لخير سلف.
جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©