الثلاثاء 12 مايو 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم

مقتل المهندسة الشابة

مقتل المهندسة الشابة
2 يونيو 2005

سعاد جواد:
شابة جميلة متفتحة للحياة وطلب العلم، درست وتخرجت وأصبحت مهندسة معمارية، كانت نشيطة ومخلصة في عملها فترقت بسرعة وأصبحت من المسؤولين المهمين في عملها، كان دخلها كبيراً من راتبها ومما ورثته عن عائلتها، انها تملك ثروة لا بأس بها ولكن تلك الثروة لم تجعلها تصاب بالغرور أو التكبر وانما جعلتها أمام مسؤولية كبيرة، فهي تحس بمعاناة الفقراء والايتام وكانت تسعى للتخفيف عنهم قدر استطاعتها دون علم أحد، كذلك، كانت تلك الثروة سبباً في مقتلها··! ولكن كيف حدث ذلك؟ تبدأ القصة مع تقدم شاب لخطبتها، كان الشاب متعلماً ولكنه ينحدر من عائلة بسيطة، اعترض الجميع عليه أما هي فقد وافقت على الارتباط به، فهي مقتنعة بان تقسيم الارزاق هو شيء بيد الله، وان المال ليس مقياساً جيداً لاختيار الزوج المناسب، وقد اعتبرت اصراره على الارتباط بها شعورا جميلا تعتز به، حيث اعتقدت انه ربما قد احبها بعد أن رآها في مكان ما، وبقيت متصورة بأن دافعه الوحيد للزواج منها هو اعجابه بها فقط· تزوجا وقضيا أياماً سعيدة، سألته عن السبب الذي دفعه لاختيارها فكذب عليها ولفق لها قصصاً خيالية عن رؤيتها في الحلم وانه كان يبحث عنها حتى وجدها وعندما وجدها أخيراً لم يتردد في خطبتها، أحست بالسعادة لهذه الحكاية وازدادت اعجاباً وحباً لزوجها الذي لم يكن الدافع الحقيقي وراء زواجه منها سوى الطمع في ثروتها فهو قد سمع عما تملكه فخطط للارتباط بها حتى قبل ان يراها، فهو من النوع الكسول الذي لا يريد أن يحصل على المال من جهده وتعبه وانما يريده سهلاً يسيراً بلا عناء· مرت فترة على زواجهما ولم يرزقا بالاطفال وكأن الأمر كان مؤجلاً لوقت آخر لا يعلمه إلا الله· لم تعرف طبيعة عمله فهو ينام معظم ساعات النهار ثم يستيقظ متأخراً فيخرج لساعات ثم يعود إلى المنزل متأخراً وفي جعبته حكايات كثيرة عن صفقات وهمية وأرباح خيالية ليس لها أول ولا آخر، كانت تصدقه في كل ما يقوله فقد احبته والحب أعماها عن الحقيقة التي يعيشها ذلك الإنسان الذي تزوجته· اقنعها يوماً بعمل بوليصة تأمين بمليون درهم ليكون هو المستفيد الأول في حال وفاتها طبيعياً أو في حادث، بلا تردد عملت له البوليصة وكأنها لا تعي ما تفعل، فلم تفكر أبداً بأن زوجها الحبيب ربما يفكر بالتخلص منها يوماً· عرف عن طريق الصدفة بأنها تخصص رواتب شهرية لبعض العائلات الفقيرة وهي تكفل عدداً كبيراً من الايتام، ثارت ثائرته وغضب منها غضباً شديداً متهماً اياها بسوء التصرف وتبديد الاموال بلا سبب، اخبرته بأنها تحس بالتقصير تجاه ربها فهي لا ترتدي الحجاب بشكل متكامل وهي لا تصلي ولا تصوم إلا في رمضان، هذا الشيء يجعلها حريصة على دفع الزكاة وعلى مساعدة الفقراء من أجل أن يسامحها ربها على تقصيرها، ضحك منها زوجها واستهزأ بافكارها وقال لها: أنت لا تصلين لذلك فإن كل ما تفعلينه لن ينفع وهو فقط تبذير واسراف سيضاف إلى رصيد سيئاتك· لم تتقبل طريقة زوجها في التفكير واصرت على طريقتها في مساعدة الناس مما أوغر قلبه عليها بشدة ولكنه كتم ذلك كله فما يخطط له قد بات قريباً· اقنعها بفكرة السفر إلى كندا، فهو يعرف شغفها وحبها للطبيعة الساحرة والغابات الخلابة، وافقت على الفكرة وكانت في غاية السعادة وهي تجهز اغراضها مستعدة للسفر، سلمت على أهلها وكان معظمهم يشعر ببعض الانقباض من هذه الرحلة ولكن لا يستطيع منعها احد لمجرد احساس مبهم· في تلك السفرة حدثت بعض الخلافات بينها وبين زوجها، فميوله لا تتفق مع ميولها في كثير من الأمور، فهو يحب ارتياد المطاعم الفخمة والكازينوهات الليلية ولكنها لا تحب كل ذلك وانما تكتفي بالتمتع بالمشي في احضان الغابة الخضراء القريبة من مكان الفندق الذي يسكنان فيه فتقضي فيها الساعات بلا احساس بالملل، كانت تمشي وتفكر في عظمة خلق الله وابداعه، أما هو فكان يفكر بايجاد طريقة ذكية للتخلص منها وللحصول على المال الذي كان هدفه الوحيد للارتباط بها منذ البداية· أخيراً هداه شيطانه إلى فكرة مقنعة بالنسبة له: تتلخص في أخذها إلى وسط الغابة ليقتلها هناك ثم يعود إلى الفندق ليثبت وجوده هناك ثم ينتظر حتى آخر النهار فيبلغ عن اختفائها، حيث سيدعي بأنها ذهبت للتمشي في الغابة ولم تعد، فاذا بحثوا عنها ووجدوا جثتها سيمثل أمامهم دور المصدوم بفقدان زوجته الحبيبة وسيتهم السلطات بعدم القدرة على المحافظة على حياة السواح وما إلى ذلك من الأمور· بدأ بتنفيذ خطته حيث وضع لها مخدرا بطيء المفعول في حليب الصباح الذي تعودت على شربه ثم طلب منها ان تسبقه قليلاً فيلحق بها لانه احس بمغص مفاجىء وهو مضطر للبقاء في الحمام قليلاً، كان يهدف بتلك الحركة ألا يراه أحد وهو يخرج معها صباحاً، انتظر فترة ثم خرج بعدها وأجرى محاورة بسيطة مع أحد العاملين في الاستقبال حيث سأله عن مكان معين في وسط المدينة واخبره بأن زوجته قد ذهبت بمفردها للتمشي في الغابة القريبة، ثم سأله ان كان هذا يعتبر آمناً بالنسبة لها فطمأنه الموظف إلى أن المكان آمن ولن يحدث شيء لزوجته· خرج من الفندق وقد اخفى سكيناً حاداً في جيب معطفه فاستأجر تاكسيا من أمام باب الفندق وذهب إلى منطقة قريبة ثم ترك التاكسي وعاد بآخر إلى الغابة، لحق بزوجته وراقبها وهي تسير بشكل مترنح بسبب المخدر، وانتظرها حتى جلست على أحد المقاعد الموجودة هناك ثم اقترب منها وطعنها بسكين ثلاثا وعشرين طعنة ولكنه احس بأنها ربما لم تمت بعد فقام بذبحها كما يذبح الخروف· غير ان الله سبحانه وتعالى كان له بالمرصاد فلم يسلم بجريمته البشعة هذه حيث صادف وجود رجلين يتمشيان في الغابة فشاهداه وهو يقوم بجريمته، انطلقت صرخة من احدهما فانتبه لهما فلاحقهما ولكنهما ركضا بسرعة لتبليغ الشرطة عن الحادث· علم بأن جريمته قد انكشفت فاسرع إلى الفندق وحمل اغراضه وركض راكباً سيارة تاكسي إلى المطار، بحث عن اقرب حجز إلى دبي فاضطر للانتظار بضع ساعات، عندها استطاعت الشرطة ان تمسك به وهو يكاد يركب الطائرة لينجو بنفسه ثم يفكر بخطة جديدة للتخلص من هذا الموقف الذي وضع نفسه فيه، ولكن كل خططه ضاعت هباءً وأصبح نزيلاً لأحد السجون الكندية يقضي فيه حكماً مؤبداً، بعد ان خسر كل شيء: الدنيا والاخرة· بعد اسبوع من وقوع الجريمة وصل جثمان الشابة المهندسة فاستقبلها الاهل بأسى وحزن شديدين خصوصاً اختها التي كانت تعتبرها التوأم الروحي لها فقد أثر مقتلها على تلك الاخت واصيبت بامراض نفسية عديدة وارادت ان تنتصر لاختها القتيلة فنشرت قصتها على الانترنت وكانت تريد ان يعرفها كل الناس ليحذروا ممن هو على شاكلة زوج أختها القاتل، والذي لم تتحدث عنه الصحف ولم تنشر تفاصيل جريمته البشعة وبقيت طي الكتمان وكأن شيئاً لم يحدث، مما آذاها كثيراً في ذلك الوقت· كانت تلك الأخت تدعو لاختها القتيلة ليلاً ونهاراً فهي تريد أن ترى منزلها في الآخرة فاستجاب لها ربها فشاهدت اختها في الرؤيا وهي جميلة جداً وترتدي ثوبا ابيض وهي فرحة، احتضنتها وقبلتها وقالت لها: أنا في الجنة في عالم البرزخ حيث الانهار الرائعة واللؤلؤ المنثور، لقد شفع لي الايتام الذين كنت اكفلهم والفقراء الذين كنت اساعدهم، بعد ذلك رفعت رقبتها واذا بها مجروحة بجرح عميق دون دم فصرخت اختها وقالت لها: ما هذا؟ ردت عليها وهي حزينة لقد مررت على عرش الرحمن فعاتبني على تقصيري في الصلاة وعدم لبس الحجاب، ومن كرمه لم يعذبني لانني شهيدة، فالشهيد لا يعذب وانما عاتبني فقط· استيقظت الاخت على صوت المؤذن وهو يؤذن لصلاة الفجر فقامت وتوضأت وصلت وهي تفكر بذلك الحلم، فاختها شهيدة ولم تعذب وكانت رقبتها محفورة وهذا فقط عتاب من رب العالمين فماذا سيكون الأمر لو لم تكن شهيدة؟ وكان الأمر عذابا بدلاً من عتاب؟ منذ ذلك الوقت ارتاحت العائلة كلها بعد أن روت الأخت لهم تلك الرؤيا عن ابنتهم الشهيدة وصار الجميع يفكر بنفسه حيث لا يدري أحدنا ماذا سيكون عليه مصيرنا خصوصاً واننا ننسى انفسنا في ملذات الحياة ونقصر في فروض ربنا· ترى ماذا سنفعل عند تلك المواجهة الصعبة؟
المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©