الإثنين 2 نوفمبر 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم

العرب·· بين شبح الأمية وجـــرّافة العــولمة!

العرب·· بين شبح الأمية وجـــرّافة العــولمة!
5 يوليو 2005
دبي ــ محمد الحلواجي:
تتزايد أهمية قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات مع مرور الوقت، وبخاصة في بلدان العالم النامي التي لا تزال متعثرة في قدراتها على تصنيع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، أو استيرادها لصناعة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات أو في مجال البحث والتطوير ومشاريع الحاضنات التكنولوجية والاستثمارات الرأسمالية في المشاريع، مع أن التكنولوجيا قد شهدت تحسناً كبيراً وانخفاضاً في تكاليفها وتيسرت إمكانية إتاحة النفاذ إلى المعلومات أمام جميع شرائح السكان·· ولكن ليس هذا ما نشاهده في كثير من البلدان النامية، فالمجتمعات الريفية والشرائح الفقيرة من السكان لا تزال غير قادرة على تحمل تكلفة خدمات المعلومات· ففي الوقت الذي يغرق فيه العالم الغربي بالطوفان المعلوماتي، يغيب عندنا إنتاج المعلومة عربيا في أقطار ونظم ينهش جسدها التردي المؤسساتي والأمية التي تصل معدلاتها في بعض البلدان العربية لأرقام مفزعة تتجاوز نسبة الثمانين في المئة؛ بدليل أن البرازيل التي لا تعتبر دولة متقدمة تفوق عناوين كتبها الجديدة الصادرة سنويا مجمل الإصدارات الجديدة للدول العربية مجتمعة!
ولو تركنا مشكلة الأمية والأميين جانبا وقمنا بنظرة فاحصة نحو الطبقات المتعلمة في هذه المجتمعات، سنجد أن واقعنا الثقافي يشكو أنواعا وأشكالا مختلفة من الأمية النسبية، أو 'الأميات' الخاصة بالمتعلمين إذا جاز التعبير، إذ أن هناك سلسلة طويلة من الأميات في هذه القائمة: كالأمية السياسية والأمية البيئية والتقنية والزراعية والجغرافية·· و··و·· إلى ما لا نهاية·· مع تدني وتدهور واضح في اللغة الأم أي·· اللغة العربية·
وتنتج مثل هذه الأميات السابقة الذكر من خلال إطباق إشكاليات عديدة على الإنسان العربي المتعلم، من بينها أسلوب توجهه للتعليم وغاياته منه، فهو لا يتعلم إلا من أجل النجاح في المدرسة أو الجامعة من أجل حلم الحصول على وظيفة لا يكون لها صلة عادة بموضوع دراسته إلا فيما ندر، ولذلك تجده يتداول المعلومة ويحفظها عن ظهر قلب كالببغاء، ثم لا يلبث أن ينساها بعد أيام قلائل من نهاية الامتحان التقليدي القائم على موهبة التلقين البدائي·
شح الذكاء الجماعي
أما الإشكالية الأخرى فتتمثل في غياب المعلومات العامة بشكل عام، وهذا ما تفصح به أو 'ما تفضحه' بتعبير أدق مختلف وسائل الإعلام العربية عبر كم هائل من البرامج والمسابقات التي تطرح أسئلة ذات إجابات بديهية وغاية في البساطة عبر مختلف القنوات التلفزيونية العربية·· لكن المشاركين نادرا ما يفلحون في التعرف على الإجابة حتى في حال مساعدتهم بإعطاء خيارات ثلاثة للإجابة مثلا· أو حتى عبر المساعدة المباشرة (التغشيش)، وهو الأمر الذي يتكرر على شاشاتنا باستمرار· ولا أستطيع في هذا السياق نسيان منظر فنان عربي مشهور استضافته مذيعة بإحدى الفضائيات العربية في مسلسل جوائز، فقد حاول ذلك الفنان تسريب الإجابات للمشاهدين المشاركين عبر الهاتف ولكن دون جدوى·
وأسوق هنا مثالا من وقائع ذلك البرنامج حينما سألت المذيعة أحد المشاركين طارحة السؤال التالي: 'كاتب عربي شهير·· ألفَّ أكثر من مئة كتاب في مختلف مجالات المعرفة··فمن هو؟ هل هو توفيق الحكيم أم عباس محمود العقاد أم لطفي السيد'؟! وعندما صمت المشارك، قام الفنان الضيف بمساعدته مباشرة قائلا: 'الثاني' أي العقاد·· ورغم أن الفنان قد كشف الإجابة وحسم الأمر إلا أن المشارك فاجأ الجميع بصيغة السؤال لا الجواب: 'توفيق الحكيم'؟!!·
ولا أعرف مع هذه الحال كيف نصف واقعنا مع المعلومات العامة الخاصة بنا نحن كعرب·· هل هو استخفاف من قبل هذه البرامج بالمعلومة حين تقدم الجوائز على أطباق من ذهب؟ أي تقديم السؤال مع الجواب والجائزة معا·· أم هي حالة من (شح الذكاء الجماعي) الذي لا يمكن تفسيره مع أشخاص يخطئون حتى في حال تلقينهم الإجابة أو التلميح والإيحاء بها في أفضل الحالات·
هل نعيش في كوكب الأرض؟
بالنظر إلى قضية ثورة المعلومات التي تعصف بالغرب الذي صار يبحث عن حلول لسيول المعلومات التي أغرقت الفرد، نجد أن واقعنا العربي مختلف تماما وكأنه غير متصل بهذا الكوكب· وعندما نقرأ للكثير من الكتاب العرب حول وفرة المعلومات، نظن أنهم أخطأوا في طرح صيغة السؤال، أي: 'هل نشكو نحن العرب من وفرة المعلومات أم من هجوم وتدفق المعلومات؟ والإجابة ليست بسيطة بطبيعة الحال، خاصة إذا ما لاحظنا ذلك التباين المحير للمستوى المعرفي بين طبقة المتعلمين العرب أنفسهم، فبعضهم يكاد يكون متواضعا جدا في معارفه·· في حين يمكن تصنيف البعض الآخر ضمن فئة المثقفين أو النخبة، وهي قلة قليلة ترزح وتنوء تحت عبء معرفي هائل يشكل لها اغترابا حادا في مجتمعاتها المتخلفة·
وفوق ذلك يمكن تقسيم معظم المجتمعات العربية إلى فئتين رئيسيتين داخل نطاق المجتمع الواحد، فبعض البلدان العربية تكاد تتساوى فيها نسبة الطبقة المتعلمة مع نسبة الطبقة الأمية، في حين تصل نسبة الأمية في مجتمعات عربية أخرى إلى نسبة ستين وثمانين بالمئة·· وهي معطيات محيرة إذا ما قسنا على ضوئها خوف العرب من ثورة المعلومات·
إعادة إنتاج التخلف
يمكن القول باطمئنان بالغ، أن من يستشعرون خطر ثورة المعلومات في الوطن العربي هم قلة قليلة، يأتي على رأسها المثقف الذي تم تصنيفه بشكل قسري في خانة (النخبة)، وهو تصنيف قسري لأن المثقف يعتبر نفسه مثقفا فحسب في حين يعتبره الآخرون (نخبويا)· ليأتي بعد المثقف (النخبوي) الباحثون والعاملون في الشأن الإعلامي، فهؤلاء فقط هم من يمكن أن يستشعر خطر تدفق المعلومات بصورة مختلفة، بمعنى القدرة على الإشارة إلى الخلل الجسيم في تدفق المعلومات عن طريق وسائل الإعلام الغربية، في الوقت الذي يغيب فيه إنتاج المعلومة عربيا، وفي الوقت الذي يحتاج فيه كل قطر إلى عربي لاستيعاب جميع المعلومات المتاحة أمامه اليوم من أجل مسايرة ركب التطور والتقدم الحضاري والتكنولوجي في الغرب·· بغض النظر عن أي تحفظات أخرى تأتي في المرتبة الثانية·
ويرى الدكتور عبدالله بوبطانة مدير مكتب اليونسكو والممثل الإقليمي لدى الدول العربية في الخليج، في دراسة له إنّ تأثيرات العولمة على منظومات التعليم العالي ستستهدف جميع متغيراتها، بدءاً من السياسات والأهداف، وانتهاء بالإدارة والتسيير والتمويل، وأن مناهج التعليم العالي الحالية في غالبية الدول العربية تعيد إنتاج التخلف، وترسخ الاغتراب الثقافي· كما أن إسهامها محدود في تعزيز الهوية الثقافية والمحافظة عليها، فهي لا تساهم بأي شكل من الأشكال في ترسيخ مفاهيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، بل ساعدت على تراكم أعداد كبيرة من الخريجين العاطلين عن العمل لفرضها مناهج وبرامج أكاديمية غير ملائمة للأسواق المحلية·· ناهيك عن الأسواق العالمية'إن العديد من دول العالم النامي وعلى رأسها البلدان العربية لم تدخل الكهرباء أو التعليم النظامي للعديد من أقاليمها ومنطقها النائية، ناهيك عن جهلها بالتكنولوجيا أو حاجتها لدار سينما أو مكتبة عامة أو حتى مكتبة متنقلة في عربة سيارة· لذلك فان خطر تدفق المعلومات بالصورة التي يشهدها الغرب، خطر لا يزال بعيدا عنا، وكل ما نستطيع فعله اليوم في معظم الأقطار العربية النامية هو إمكانية الاستعداد لمناقشة هذا الخطر منذ الآن، ومحاولة الاستفادة من الغرب في تعامله مع هذه المشكلة· ولا ندري حقيقة رأي خبراء المعلومات العرب الذين لم نجد أحدا منهم يشير لمثل هذا الإشكالية بالقدر الكافي الذي تستحقه من التناول والمناقشة، بقدر التركيز على خطر الغزو الثقافي والإعلامي الغربي·· فهل هم مخطئون؟·
المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©