د· نصر الدين العياضي:
لا شيء يدل على أنها عنصرية أو مصابة بمرض 'الرّهاب الإسلامي' أو' الإسلاموفوبيا'· إنها امرأة في الثلاثين من العمر، تشتغل مدرسة في إحدى مؤسسة التعليم بمقاطعة 'الكيبك' في كندا التي تفيض بالتنوع العرقي والثقافي· لم تكن لها علاقات مفتوحة مع هذا التنوع إلا بما تسمح به حدود التعامل مع أطفال المدارس، وربما أوليائهم·
تعترف، صادقة، أنها ذعرت لما عرفت بأن في صفها تلميذتين مسلمتين! قد تتساءلون لماذا؟ وربما الأصح طرح السؤال التالي: لماذا لا تذهل بعد تزايد مظاهر التطرف والعنف والإرهاب في العالم؟ لكن هذه الحادثة وقعت قبل أحداث 11 سبتمبر 2001 بأكثر من عقد من الزمن! لقد ذهلت، لأنها، كما تؤكد لا تعرف عن الإسلام سوى 'شذرات' مستقاة من النظام التعليمي عن بطش المسلمين، وطردهم للصليبيين من القدس· هذا النظام الذي لم يزود التلاميذ سوى ببعض المحطات العسكرية التي تبتسر التاريخ المشترك الثري بين الغرب والإسلام·
المحطة الأولى تمثلها واقعة 'تور وبواتييه' sreitioP sruoT سنة 732م، التي يعتقد المسيحيون أنها أنقذت الغرب من الغزو الإسلامي· والمحطة الثانية يلخصها صد زحف الأتراك المتواصل أمام أبواب فيينا، لكن هل النظام المدرسي وحده هو المسؤول على ذعر هذه الأستاذة؟
إنصاف
حتى نكون منصفين، ولا نحمل النظام التعليمي كل المسؤولية عن ما يبدو من حقد على الإسلام وخوف من المسلمين في الغرب، يجب الالتفات إلى وسائل الإعلام التي تسعى إلى إحياء الماضي بكل مآسيه، وإقحامه في الحاضر· إذ تسعى إلى تفسير ما يصدر عن هذا المسلم أو ذاك من سلوك، في هذا البلد الغربي أو ذاك، بالرجوع إلى التاريخ وتعممه على كل المسلمين·
ما يصدم أكثر في جل وسائل الإعلام الغربية هو طابع الإثارة في معالجة القضايا المتعلقة بالإسلام والمسلمين· إذ إنها تختار العنوان والصور الصادمة والاستفزازية· ففي الدول الغربية يعتنق مئات الأشخاص هذه الديانة أو تلك أو يرتدون عنها، أو يعلنون عن إلحادهم أمام الملأ، أو ينضمون إلى هذه الملة أو هذه الجماعة من جماعة النحل التي أفرخت في بلاد الغرب، دون أن تثير استغراب أو استفسار أحد، بما فيها وسائل الإعلام· والسبب يكمن في أنها تعتبر ما يقوم به أي شخص على صعيد العقيدة جزءا من حريته الشخصية التي تصونها الدساتير المختلفة· لكن هل تخترق هذه القاعدة إذا تعلق الأمر بالإسلام، وتسقط حرية الاختيار الشخصي؟
في 10 مارس 1987 خصصت الصحيفة اليومية (لومتا) أي (الصباح)، الصادرة باللغة الفرنسية، في مقاطعة 'الكيبيك' صفحة كاملة لامرأة كندية أشهرت إسلامها! وعنونته: (امرأة كندية من كيبك تصبح عضوا في 'لوبي' الله)·
وفي يوليو سنة 1984 نشرت صحيفة (لا فو دو لست) أي (صوت الشرق)، الناطقة باللغة الفرنسية، ثلاثة مقالات متتالية عن المرأة الجزائرية بعنوان غريب: (الضالة لدى الخانعات)، لتتحدث عن حياة امرأة غير ملتزمة دينيا وسط النساء المسلمات· وفي 14 سبتمبر 1987 خصصت الصحيفة اليومية الكندية الناطقة باللغة الإنجليزية 'ذو غزات' ettezag ehT صفحة كاملة للإيرانيات المسلمات الفارات من نظام الخميني، واللواتي نلن حق اللجوء السياسي بكندا دون أن يسقط حقهن في ممارسة شعائرهن وعقيدتهن· فاندمجن، بسرعة وسهولة، في الحياة الاجتماعية والثقافية الكندية· يبدو أن هذه الحقيقة لم تعجب الصحيفة المذكورة، لأن الإيرانيات اللواتي التقت بهن وقبلن الحديث معها لا يرتدين التشادور· فعرضت على إحدى الكنديات أن ترتدي 'التشادور' وتصورها على أساس أنها إيرانية! ونشرت هذه الصورة بجانب صور أخرى من الأرشيف لنساء إيرانيات داخل إيران مرتديات التشادور· ما تريد أن تبوح به هذه الصور المرفقة للمادة التي نشرتها الصحيفة المذكورة أن المسلمات بصفة عامة، والإيرانيات بصفة خاصة، يرفضن الاندماج في المجتمع الكندي، رغم أن الإيرانيات اللواتي أدلين بحديث للصحيفة المذكورة أكدن عكس ما عبرت عنه الصور·
قاموس واحد موحد
لو حاولنا أن نقترب من لغة وسائل الإعلام الغربية المستخدمة للتعبير عن الإرهاب والعنف في العالم الإسلامي لوجدناها تخلط المسلم بالعربي، وتتحدث عنهما بقاموس من الأفكار المسبقة والنعوت والأوصاف التي تبدو متناقضة: عاطفي، جنسي، متحجر، متطرف، وعنيف، غادر، لا يأبه بالحياة من أجل ملقاة ربه، يستعبد المرأة ويسلب حقوقها···!
لقد أثري هذا القاموس بعد الهجوم الذي استهدف برجي التجارة العالمية بالولايات المتحدة الأميركية، وبتأجج بؤر التوتر والنزاع في العالم ،التي توجد كلها ،مع الأسف، في البلاد الإسلامية· هكذا اختصر أكثر من مليار مسلم في مجموعة من الأصوليين والمتطرفين·
بجانب مصطلح 'الإسلام السياسي' الذي شاع استعماله بدءا من الثمانينات، أي بالتزامن مع بروز الحركات الإسلامية المكافحة ضد الوجود العسكري في أفغانستان، ظهر 'الإسلام الإعلامي'، الذي يعتبر في نظر الكثير من المحللين أخطر من الأول، وذلك لأنه يعتمد على وسائل الإعلام السمعية- البصرية التي تقدم ثقافة سطحية ومسطحة وعابرة تجافي التفكير والتأمل، وتعزز الانطباعات والكليشيهات عن الأشخاص والأحداث· وتخضع لمتطلبات السوق الذي يتهافت على كل ما هو غرائبي وملموس وحركي وذي طابع إثاري·
بتزايد احتقان العلاقات بين الشرق والغرب بفعل المعالجة الدامية لبعض النزاعات التي تدفع ثمنها الشعوب العربية والإسلامية بالدرجة الأولى، تزايد عدد 'المختصين' في الشأن الإسلامي والعربي، أو ما أصبح يعرف بـ 'مثقفي وسائل الإعلام' الذين لا يعرفون اللغة العربية ولا الجغرافية الاجتماعية، ولا الخريطة السياسية والثقافية للدول التي تشكل 'العالم الإسلامي' بل عوضوا جهلهم بهذه الجوانب الأساسية في موضوع اختصاصهم بترديد الخطاب الغربي المهيمن الذي يتكئ على القاموس ذاته·
إن الحديث عن الإسلام السياسي، والتطرف الإسلامي، والشيعة، والسنة أصبح مربحا هذه الأيام، ويرفع الكثيرين إلى عتبة الشهرة، خاصة إذا أطلوا على مشاكل العالم العربي الإسلامي من 'كوة' الصور النمطية المستهلكة التي لا تقدم إضافة معرفية بقدر ما تبرر تصورات الساسة وأصحاب القرار· لقد انضم إلى هؤلاء المختصين وكلاء المركبات الصناعية والعسكرية الكبرى الذين اقتحموا بعض المنابر العلمية، مثل صامويل هانتينجتون الذي يتستر على مصالح هذه المركبات العسكرية والصناعية الكبرى واستراتيجياتها بالحديث عن الصدام العسكري المستقبلي الذي لا يمكن تجنبه، والذي سيحدث على طول الشريط الواقع بين المناطق الحضارية، وخاصة بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية·
تخويف وتجريم
إن خطورة 'الإسلام الإعلامي' تكمن في نقله لصورة واهمة ومتخيلة عن الإسلام والعالم الإسلامي، إذ يرسخ جهل الرأي العام الغربي بالكثير من الحقائق الاقتصادية والاجتماعية عن الدول الإسلامية، خاصة تلك التي حققت تطورا لا يستهان به،مثل: إندونيسيا، ماليزيا، والإمارات العربية المتحدة· كما أنه يخيف الغرب من الإسلام ويجرم المسلمين، ويعسر حياة من يوجد منهم في الدول الأوروبية وأميركا الشمالية· ويعزز من مكانة اليمين المتطرف الذي يعتقد أن المسلمين غرباء وأجانب في هذه الدول، رغم أن الكثير منهم أخذ جنسية الدول الأوروبية منذ أكثر من نصف قرن· هذا الاعتقاد الذي يهدف إلى حرمان هؤلاء من المواطنة التي تسمح لهم بالتمتع بحقوقهم المدنية، مثل أي مواطن من دين أو عرق أخر، بحجة استحالة تكيف الدين الإسلامي مع الحقائق الاجتماعية والثقافية في الدول الغربية·
إن 'الإسلام الإعلامي' الذي ينظر بعيون القرون الوسطى لحاضر المسلمين يطمس ثراء الإسلام ومقدرته الفائقة على التغلغل في النسيج الاجتماعي والثقافي القائم في أي بلد، بدليل أنه تمكن من التغلغل في نسيج القارتين: الإفريقية والآسيوية؟
هل نساعد الشعوب الإسلامية ودولها على التخلص من الإرهاب والتطرف الديني بالتخويف والتجريم أم بالتنديد؟
إن التخويف يؤدي، في نظرنا، إلى انغلاق الأقليات والهويات على ذاتها وانطوائها، وتجريمها يحولها إلى 'هويات' قاتلة، على حد تعبير الكاتب أمين معلوف·
من السهل التنديد بالتطرف الإسلامي، لكن من الصعب فهمه وإدراك أسبابه التي تتمثل في جملة معقدة من العوامل: أزمة سياسية واجتماعية، وكبت وإحباط المسلمين من مواقف بعض الدول الأوربية المؤيدة لإسرائيل· إن فهم هذه الأسباب لا يكفي للقضاء على التطرف الإسلامي، فعلى الدول الأوروبية أن تساعد المسلمين في استئصال التطرف والعنف، وذلك بمختلف السبل بدءا من مد يد العون لهم للخروج من الأزمة المذكورة، وصولا إلى مراجعة مواقفها من الصراع في الشرق الأوسط·
هل من مجيب!
من استمع إلى الدبلوماسي الأميركي 'مورهيد كندي' الذي بقي رهينة في السفارة الأميركية بطهران لمدة 444 يوما، عندما صرح بأن وسائل الإعلام الغربية قد أخطأت الطريق في حديثها عن الإسلام والمسلمين· ومن المستعجل أن نشرع في فهم العالم الإسلامي بعيدا عن القاموس اللغوي المذكور، والصور النمطية؟
حتى لا ننهي عن شيء ونأتي مثله، ونسقط في التعميم الذي سقط فيه 'الإسلام الإعلامي'، يمكن القول إنه يوجد من استمع إلى الدبلوماسي المذكور، وقدر مفعول هذا الإسلام في الحقل الثقافي، حيث اقتنع بما قاله المفكر الفرنسي 'إدغار موران': 'إن الثقافة التي كان من المفروض أن تسمح لنا بأن نفكر بذاتنا، جعلتنا نفكر ثقافيا بطريقة تعاقدية وتوافقية تشدها الصور النمطية· فأخضعتنا لقناعات جاهزة، وغرست فينا الشكوك المتوارثة والمجترة'·
لقد قامت مؤسسات المجتمع المدني في بعض الدول الأوروبية، مثل: المركز المغربي للبحث والإعلام بكندا، بمهمة تعريف الجمهور ووسائل الإعلام بالإسلام وبتاريخه الناصع، وشكلت فريق من العمل يرصد نشاط وسائل الإعلام ويكشف عن تجاوزاتها في حق المسلمين وتشويه الإسلام·
كما استعانت بعض المنظمات في العديد من الدول، مثل فرنسا، بالاتصال الإلكتروني لتتجاوز 'الإسلام الإعلامي'، حيث فتحت مواقع أقامت فيها منتديات للنقاش حول الإسلام، والاستماع لهواجس وانشغالات من يريد أن يعرف على الإسلام والمسلمين أو من يرغب اكتشاف مخاطر 'الإسلام الإعلامي'· لقد وجد المسلمون المقيمون في الغرب أن هذه المواقع الإلكترونية تشكل منبرا 'جماهيريا' يرفع احتكار 'المختصين الجدد' الحديث عن الإسلام والمسلمين، ويفتح المجال للجدل المثمر الذي يكشف الأوهام عن الدين الإسلامي ويبيد الأحقاد· لقد رأت السلطات العمومية في هذه المواقع، أفضل أداة لتحقيق اندماج أبناء الجاليات المسلمة القادمة من دول المغرب العربي أو تركيا وإيران ومنطقة الشرق الأوسط والأقصى، حتى وإن كان اندماجا رمزيا، بعد أن تعثرت بعض أدوات الدمج، مثل: المدرسة، ومؤسسات العمل·
إذاً هل يمكن القول أن 'الإسلام الإعلامي' الذي ينتجه الغرب يعجز عن محاربة التطرف الإسلامي· وأن تغيير تصور وسائل الإعلام الغربية للإسلام والمسلمين شرط من جملة الشروط التي تؤدي إلى اقصاء هذا التطرف، وتقريب الحضارتين: العربية الإسلامية والغربية·