الكويت - يوسف علاونة: رغم مرضه الطويل وتوقع وفاته في أية لحظة منذ دخوله المستشفى في الرياض أواخر شهر مايو الماضي فإن الكويت لم تستطع إخفاء شعورها بالصدمة والحزن العميق وهي تتلقى نبأ وفاة الملك فهد الذي يتذكر له جميع الكويتيين باعتزاز ومحبة وقفته القوية إلى جانبهم خلال الاجتياح العراقي لأراضيهم عام 1990 وهي الوقفة التي ساهمت بقوة في تشكل أكبر تحالف دولي قادته الولايات المتحدة لطرد القوات العراقية من أراضيها· وكانت السعودية بعد الثاني من أغسطس 1990 هي مقر حكومة الكويت الشرعية في المنفى في الطائف التي لم يغادرها أمير الكويت الشيخ جابر الأحمد الصباح إلا مرة واحدة عندما سافر إلى نيويورك ليلقي خطابه الشهير الذي غمرته خلاله العبرات، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، ثم يتوجه الى واشنطن ليحصل من الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الأب على وعده الشهير باستعادة الكويت حين قدم له مجسما لدولة الكويت فقابله بوش بعبارة (تأكد أنها ستعود إليك)·
واعتاد الكويتيون في هذا الوقت من العام أن يكرروا الإشادة برموز هذا التحالف الدولي وفي مقدمهم العاهل الراحل الذي توفي قبل يوم واحد فقط من الذكرى الخامسة عشرة للاحتلال العراقي للكويت· وهزهم اليوم نبأ وفاة الملك فهد·
وبعث الشيخ جابر ببرقية عزاء إلى القيادة السعودية أعرب فيها عن حزنه العميق وأشاد فيها بمناقب الملك فهد الذي وصفه بأنه 'الحاكم الرحيم والسياسي الحكيم'· وجاء في البرقية 'لقد فجعنا وفجع العالم الإسلامي برحيل قائد عظيم ورجل شهم كريم عن دنيانا للقاء ربه رب العالمين وان الكلمات في هذه اللحظات المليئة بالحزن والأسى لتعجز عن التعبير لما أصابنا بفقدان أخ عزيز وإنسان نبيل وملك رحيم وسياسي حكيم وهب حياته لبلاده وشعبه ولأمته الإسلامية يصلهم بتقواه ويحوطهم بيقظته ويحنو عليهم ببره وجعل القرآن الكريم إمامه ورسالته فنشر نوره في العالمين واتخذ من خدمة الحرمين الشريفين شرف الألقاب وأعلى بناء المملكة العربية السعودية على أساس من العلم الحديث المستنير بهداية القرآن والسنة النبوية كما بوأها منزل الرفعة والتقدم وجعلها إحدى الركائز الفعالة في السياسة العربية والإسلامية والدولية'·
وأضاف أمير الكويت 'أما نحن في دولة الكويت فنشعر بالحزن في أعماقنا إذ نذكر للراحل العظيم وقفته البطولية الخالدة مع الكويت بكل طاقات المملكة العربية السعودية ومقدراتها حتى أعاد إلينا وطننا عزيزا محررا'· وأعرب عن ثقته في أن 'الأسرة السعودية المالكة الكريمة برجالاتها وخبراتها قادرة على تخطى هذه اللحظة المريرة ومواصلة المسيرة بكل ما فيه صالح المملكة العربية السعودية الشقيقة وخير الأمة العربية والإسلامية··وإن المسلمين وكل ذوي المبادئ الطاهرة ليتبادلون اليوم العزاء متحصنين بالإيمان مستلهمين للصبر'· وختم الشيخ جابر برقيته قائلا 'أما أنا شخصيا فمصابي في أخي عظيم أليم لا يجبره إلا الله العلي العظيم وسبحان الله المنفرد بالبقاء·· إنا لله وإنا إليه راجعون'·
كما نعى رئيس مجلس الوزراء الكويتي الشيخ صباح الاحمد الجابر الصباح الفقيد· وقال في بيان امام جلسة استثنائية للحكومة 'بعظيم الحزن وبالغ الأسى والألم وبقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره تلقت دولة الكويت النبأ الفاجعة بوفاة المغفور له خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز ملك المملكة العربية السعودية الشقيقة الذي وافته المنية بعد حياة زاخرة بالعطاء والتضحيات والانجازات المشهودة نذر فيها نفسه لخدمة دينه ووطنه وشعبه وأمته العربية والإسلامية'· وأضاف 'دولة الكويت قيادة وشعبا إذ تعرب باسم حضرة صاحب السمو الأمير وسمو ولي العهد حفظهما الله وجميع أبناء الشعب الكويتي عن مصابها الجلل بفقدان زعيم بارز وقائد فذ تجسدت بقيادته الحكمة والحنكة والتجربة العميقة والبصيرة النافذة والمآثر الفاضلة والأخلاق الرفيعة فإنها تستذكر بعظيم التقدير والوفاء والعرفان الدور العظيم الذي قامت به المملكة العربية الشقيقة بقيادة الفقيد الراحل في احتضان الشرعية الكويتية ونصرة الحق الكويتي ورفض العدوان الغادر والذي كان له الدور الأبرز في تحرير دولة الكويت من براثن الاحتلال الآثم واستعادة حريتها وسيادتها'·
وأكد الشيخ صباح ان 'هذه المواقف الكريمة الشجاعة ستظل محفورة في وجدان وذاكرة جميع الكويتيين على مر الأجيال'· واختتم بيانه قائلا 'الكويت إذ تنعى الراحل الكبير فإنها تنعى قائدا متميزا وراعيا لمسيرة مجلس التعاون لدول الخليج العربية وحامل راية الدفاع عن الحق العربي والإسلامي في كل بقاع العالم لتبتهل إلى المولى العلي القدير أن يتغمد الفقيد الكبير بواسع رحمته ورضوانه وان يسكنه فسيح جناته وإنا لله وإنا إليه راجعون'·
وأصدر رئيس مجلس الأمة الكويتي (البرلمان) جاسم الخرافي بيانا من مقر إقامته في لندن حيث يمضي إجازة خاصة قال فيه انه تلقى النبأ 'ببالغ الحزن لأن خادم الحرمين الشريفين هو فقيد الأمة الإسلامية والعربية'· وأضاف 'لا يسعني في هذا المصاب الجلل إلا أن أتقدم بالأصالة عن نفسي ونيابة عن إخواني أعضاء مجلس الأمة الكويتي بخالص العزاء والمواساة لأسرة الراحل الكبير وللشعب السعودي الشقيق وللأمتين العربية والإسلامية داعيا المولى عز وجل أن يلهمنا جميعا الصبر والسلوان'· وأضاف الخرافي 'لقد أفنى فقيدنا الكبير عمره في خدمة شعبه وعقيدته وكانت مساهماته في نهضة أمته مساهمة لا ينساها التاريخ وعلى وجه الخصوص أبناء الكويت الذين كان لهم الراحل الكبير الأخ والصديق والمعين خلال فترة غزو النظام العراقي الغاشم للبلاد'·
وقال 'عزاؤنا وعزاء امتنا في خير خلف لخير سلف خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز وولي عهده الأمين صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبد العزيز لقيادة المملكة العربية الشقيقة وفي خدمة أمتهما العربية والإسلامية وإنا لله وإنا إليه راجعون'·
ومن المقرر أن يرأس الخرافي وفد مجلس الأمة إلى السعودية لتقديم واجب العزاء· كما ستشارك الكويت بمراسم التشييع المعتادة في المملكة في مثل هذه الحالات عبر وفد كبير يضم بالإضافة إلى الشيخ صباح الأحمد كبار رجالات الأسرة الحاكمة وعددا كبيرا من الفعاليات السياسية والاجتماعية ووفودا شعبية وممثلي الجمعيات العامة المختلفة·وأعرب وزير الإعلام الكويتي الدكتور انس الرشيد عن 'حزنه الشديد لفقدان الأمتين العربية والإسلامية لأحد كبار قادتها الذي كرس جل حياته في خدمة قضاياهما'· وأضاف الرشيد 'لا بد لنا أن نستذكر دور خادم الحرمين الشريفين البطولي والمبدئي عندما كان يدا للعون لنا وفتح أراضي المملكة لنصرة قضية الكويت·· فهذا الموقف سيظل خالدا في ذاكرة الكويتيين'·
وعلى المستوى النيابي سارعت الكتل البرلمانية والنواب بإصدار بيانات الحزن والتضامن مع السعودية والإشادة بمناقب الراحل والتنويه بالمكانة الرفيعة التي يحتلها خلفه الملك عبد الله في نفوس المواطنين الكويتيين· ووصف النواب وفاة الملك فهد بأنها 'خسارة كبيرة'· وقالوا إن العالم العربي بشكل عام ودول مجلس التعاون الخليجي بشكل خاص 'خسرت برحيل الملك فهد قائدا كبيرا ومؤسسا ورافدا أساسيا من أركان منظومة دول مجلس التعاون الخليجية ساهم بجهوده الكبيرة في إثراء مسيرتها ونهضتها'·
وبثت وكالة الأنباء الكويتية الرسمية تقريرا تحدث عن الانجازات التي حققها الملك فهد خلال مسيرة حكمه التي استمرت 23 عاما والتي نجحت في تحقيق نقلة كبيرة لبلاده 'سواء على الصعيد الداخلي أو الإقليمي أو الدولي'· وجاء في التقرير ان الملك فهد قاد منذ تسلمه مقاليد الحكم عام 1982 'نهضة حضارية غير مسبوقة حولت المملكة من دولة صحراوية تعتمد على النفط وحده إلى دولة صناعية وزراعية امتدت تجارتها إلى مختلف الدول القريبة والبعيدة وتنوعت مواردها الاقتصادية وتشعبت علاقاتها مع كل دول العالم'· وأضاف التقرير ان إنجازات الملك فهد 'على الصعيد الداخلي بلغت حد الإعجاز في بعض المجالات إلا أن العالم كله يذكر للملك فهد خصوصية شديدة انفرد بها عندما حمل على عاتقه حل أهم القضايا العربية والإسلامية الشائكة إيمانا منه بضرورة تحقيق الأمن والسلم والرخاء لأبناء هاتين الأمتين'· ونوه التقرير إلى أن 'العالم كله يذكر بالفخر والتقدير للملك فهد دوره الرائد في تحرير دولة الكويت وطرد قوات النظام العراقي السابق التي اجتاحت أراضي الكويت تحت جنح الظلام في الثاني من أغسطس عام ·'1990 وأضاف التقرير إن الزعيم الراحل ومنذ 'اللحظات الأولى للغزو قاد تحركا دوليا سريعا ومكثفا من اجل إقناع طاغية العراق بسحب قواته من الكويت وإنهاء الأزمة التي كان يدرك أنها اكبر كارثة تتعرض لها الأمة العربية في تاريخها الحديث'· ومضى التقرير يقول 'وعندما فشلت المحاولات العربية والدولية لإنهاء الأزمة سلميا اتخذ قراره التاريخي باستدعاء قوات الدول الشقيقة والصديقة لطرد قوات الاحتلال العراقي بالقوة·· حيث استطاع خلال أيام قليلة وبفضل سياسته الحكيمة وعلاقاته الدولية الواسعة من تكوين اكبر تحالف دولي في التاريخ ضم 33 دولة وأضخم حشد عسكري قوامه يزيد على نصف مليون جندي كانت كفيلة بطرد قوات الاحتلال العراقية في 26 فبراير 1991 في واحدة من الملاحم العسكرية التاريخية'·
وأشاد التقرير بما فعله الملك فهد عندما 'فتح أبواب المملكة أمام آلاف المواطنين الكويتيين الذين أجبرتهم القوات الغازية على الفرار من ديارهم وتولاهم بالرعاية والعناية'· وخلص إلى أن 'هذه الوقفة التاريخية المشرفة لخادم الحرمين الشريفين وحكومة المملكة وشعبها الشقيق ستظل تحفر آثارها الطيبة في وجدان الشعب الكويتي مجسدة عمق ومتانة العلاقات التي تربط بين شعبي البلدين ومؤكدة صدق مبادئ السعودية الشقيقة وسياستها الثابتة التي ترفض الظلم والعدوان'·
وعبرت جمعية الصحافيين الكويتية عن حزنها الشديد لوفاة الملك فهد وقدمت تعازيها للأمتين العربية والإسلامية وللأسرة المالكة في المملكة· وقالت في بيان 'برحيل خادم الحرمين الشريفين يفقد العالم اجمع احد ابرز الزعماء الذين كان لهم حضور وتأثير واضح في صناعة الأحداث على مستوى العالم في العقود الأخيرة'·