السبت 17 أكتوبر 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
اقتصاد

بريطانيا معجزة اقتصادية وتذيب الفروقات بين الطبقات

بريطانيا معجزة اقتصادية وتذيب الفروقات بين الطبقات
19 أكتوبر 2005

لندن - الاتحاد: حقق الاقتصاد البريطاني قفزات هائلة خلال السنوات الأخيرة، فاقت كل التوقعات إلى حد وصفه بعض الخبراء بالمعجزة البريطانية، فالبطالة تراجعت إلى أقل من مستوى 5 في المئة للمرة الأولى منذ ثلاثين عاماً، والمداخيل الفردية والقومية تضاعفت ومعها القوة الشرائية، يأتي ذلك في الوقت الذي بدأت فيه كل من ألمانيا وفرنسا وباقي أوروبا تتخبّط في أزماتها الاقتصادية، وبريطانيا الآن هي أغنى بلدان أوروبا بعد النرويج ولوكسمبورج، وهناك العديد من المدن البريطانية التي تعيش حاليا حالة من الرواج الاقتصادي غير المسبوق·
وروترهام من بين تلك المدن·· وهي عبارة عن مدينة صغيرة من مدن يوركشاير، معروفة بمناجمها ومصانعها أكثر مما بحياتها الليلية·· جدران منازلها تتجدد باستمرار وأحياناً أكثر من مرة واحدة في السنة، وتعليمات عمدة البلدية متشددة في هذا الصدد· ومؤخراً جرى تدمير احدى مدارسها العتيقة، مدرسة 'بوردسكول' الأشبه بثكنة عسكرية والتي كانت قد بنيت في العام ،1819 حيث سيقام مكانها نصب زجاجي معدني مضيء بما يتماشى مع روح العصر·
ويقول النائب العمالي 'دنيز ماك شاين'، فإن عمدة روترهام بنت سبع عشرة مدرسة حكومية جديدة خلال السنوات الأربع الماضية· وروترهام مدينة مزدهرة، ارتفعت فيها اسعار العقارات السكنية بمعدل الضعفين خلال السنوات العشر الماضية، كما تضاعف متوسط الدخل بنسبة 40 في المئة·
وازدهار روترهام ليس بحالة منعزلة، فمانشستر أيضاً، التي كانت حصن الثورة الصناعية، تمتلك الآن مطاراً من أفخم المطارات الدولية، ومثلها أيضاً مدينة 'كاناري وورف'، العاصمة المالية الجديدة للندن، المطلة على ضفاف نهر التايمز والمتعالية بناطحات سحابها التابعة لوكالة رويترز أو لفروع مصارف سب، وسيتي بنك·
وتتجسد الفورة الاقتصادية في خلق فرص العمل الجديدة، وكما يقول المحلل المالي 'مورجان ماكنلي': استعدنا عافيتنا الاقتصادية بعد ثلاث سنوات من الركود الناجم عن أزمة الانترنت'·· وبحسب وكالة 'ماكنلي' الخاصة بالتوظيف، فمن المتوقع قريباً تأمين 320 ألف فرصة عمل جديدة في قطاع الخدمات المالية وحده ·· وهذا ما من شأنه تفعيل حركة هذا القطاع إضافة إلى باقي القطاعات الاقتصادية بالتأكيد· وفيما تتنعم بريطانيا بانتعاشة اقتصادية واسعة، تتخبط فرنسا، ومعها المانيا وباقي أوروبا، في تآكل اقتصادي ينعكس ركوداً وارتفاعاً في مؤشرات البطالة·
صحيفة 'ايكونومست' تقول إن النظام الانجليزي يعمل جيداً وأن كل شيء في حالة حسنة حتى الآن، أما 'الفايننشل تايمز' فتبدو أقل تحفظاً بقولها: 'رغم معارضتنا لـ 'توني بلير' ولترهاته الديماغوجية، لا يسعنا الا الاشادة بنجاحه في ما فشلت فيه فرنسا والمانيا، أي تراجع البطالة وزيادة المداخيل، اضافة إي أن هناك من يعتبر ان انجازات 'بلير' الاقتصادية عائدة إلى طول مدة حكمه (الأطول من حكم 'تاتشر' أو 'مايجور')، إضافة إلى تجاوزه الفاضح للقيم اليسارية'·
وبلغة الأرقام يبلغ معدل البطالة في بريطانيا الآن 4,8 في المئة فقط، وهو أدنى معدل بطالة تشهده البلاد منذ ثلاثين عاماً· ومن هنا فإن رئيس الحكومة 'توني بلير' لم يكن يبالغ عندما قال مؤخراً 'منذ وصولي إلى السلطة قبل ثمانية أعوام كانت تولد فرصة عمل واحدة كل ثلاث دقائق، الاقتصاد البريطاني في حالة جيدة جداً لاثنين وثلاثين فصلاً عن التوالي!
وكنتيجة مباشرة لذلك، فإن متوسط الدخل الفردي البريطاني، الذي ظل ادنى من الفرنسي بنسبة 15 في المئة طوال عشرين عاماً، اصبح الآن أعلى منه بنسبة 6 في المئة، وفيما يبلغ متوسط الدخل السنوي للفرد البريطاني 29,000 دولار مقابل 27,000 دولار للفرد الفرنسي، وبحسب مقارنات دوائر الاتحاد الأوروبي في بروكسل، والتي وضعت مقياساً 100 لمتوسط الدخل الفردي في بلدان الاتحاد، فإن المعدل البريطاني وصل إلى 110,3 مقابل 103,8 للفرنسي· وبالإجمال، فإن بريطانيا فهي أغنى البلدان الأوروبية، وطبعاً بعد النروج ولوكسمبورج·
ويتحدث خبراء الاقتصاد عما يسمونه صراحة 'المعجزة الاقتصادية البريطانية'·· ذلك أن الاقتصاد البريطاني كان قد انهار بصورة شبه نهائية تحت وطأة أزمة العام ،1929 وحيث تراكم الملايين من العاطلين عن العمل، ثم جاءت أعباء الحرب العالمية، ولتكمل على اقتصاد البلاد ولاية 'مارغريت تاتشر' التي دامت أحد عشر عاماً والتي تخللها اضراب عمال المناجم الشهير في العام ·1984
وكما يقول 'بنجامين ايفرتست'، رئيس اتحاد النقابات العمالية البريطانية: 'إن الحصول على فرصة عمل، ومهما كانت نوعية هذا العمل، تبقى افضل بألف مرة في صفوف العاطلين عن العمل'!·· في السياق نفسه، يقلو 'توني بلير' ان الأولية الاساسية عنده هي لاعادة دمج العاطل عن العمل في سوق العمل، حتى لو كان عمله مؤقتاً أو بدوام جزئي!
وكما يقول القيادي العمالي 'انطوني جيدنز': أفضل طريقة لتفعيل انتاجية العمل هي ترك الحرية لصاحب العمل في صرف من يشاء من العمال عندما يرى أن وجودهم وأجورهم تتعارض مع مصلحة الشركة، مضيفاً أن المطلوب من الحكومة، إذا ارادت الحفاظ على معدل نمو جيد، أن تؤمن الرعاية اللازمة لمن يفقد عمله ريثما يحصل على عمل آخر، ولحسن الحظ فإن هذا ما يشكل جوهر السياسة الاقتصادية لحكومة 'توني بلير'·
وأشار إلى عدم تناسي الدور الأساسي الذي يلعبه بنك بريطانيا المركزي، إضافة إلى سياسة الموازنة التي يمسك بها وزير المالية المحنك، 'آيد بال'، والذي يعتبر أن الأسا ليس استخدام المال العام للانفاق، بل توظيف ذلك المال في المجالات الاستثمارية لتفعيل الحركة الاقتصادية·
ومن باب المقارنة، فإن 50 في المئة من البريطانيين بسن 55 عاماً وما فوق، يعملون في أعمال كاملة، وهذا أعلى بكثير مما في فرنسا والمانيا· أما الذين يعملون بدوام جزئي فتقدم لهم الدولة مساعدات مباشرة تتعلق بالسكن والرعاية العائلية· وعلى سبيل المثال، فإن عائلة لديها ولدان ويعمل أحد الأبوين فيها فقط، تقدم لها الدولة حوالي 1700 يورو شهرياً، و1100 يورو فقط إذا كان أحد الأبوين يعمل أقل من 16 ساعة في الاسبوع·
ولا ينفي الخبراء، وإن كانوا يعتبرون تلك المساعدات هزيلة، انها كافية لجعل الفقراء يعيشون في منازل وليس بدون مأوى· واللافت هنا ان في بريطانيا 2,8 مليون معاق انما تستثنيهم الحكومة من نظام مساعدات البطالة وعلى أساس ان بامكانهم أن يعملوا وان يعيلوا أنفسهم· علماً بأن أكثر من ثلثهم يعلنون استعدادهم للعمل·
ويبقى أن 75 في المئة من سكان بريطانيا الناشئين (بين سن 15-64 سنة) يعملون، وهي نسبة أعلى بكثير مما في فرنسا البالغة نسبتها 62 في المئة فقط·
من جانبه يقول جون بيت المحلل الاقتصادي في 'الايكونومست'، والمسؤول السابق في وزارة المالية، إنه خلال السبعينات والثمانينات، كان الاقتصاد البريطاني في حالة تصدع واضعف من الاقتصادات الفرنسية والالمانية والايطالية، أما الآن فقد تغيرت المعادلة تماماً، والطبقة الوسطى أصبحت أكثر قرباً من الطبقة الغنية·
ويرى جون بيت أيضاً أن أهم ما فغي منجزات الاقتصاد البريطاني، الذي تحسن بنسبة 80 في المئة خلال السنوات الخمس الماضية، هو أنه حصل في ظل توافق شبه تام ما ين الدولة والنقابات العمالية·· في المقابل، وبعدما كانت السياسات الاقتصادية الفرنسية والالمانية في أحسن حالاتها خلال الثمانينات، وخصوصاً في ظل الحماية التي تنعم بها الشركات في مواجهة المنافسة، والتي أصبحت مقتصرة الآن على مواجهة المنافسة الاجنبية فقط، ثم لتأتي العولمة الاقتصادية بعد ذلك لتزيد الوضع تعقيداً· أما لماذا لم يتأثر الاقتصاد البريطاني بتلك المتغيرات العالمية، فهذا عائد ربما إلى ما يسميه البعض 'المعجزة الاقتصادية البريطانية'·
من جهة أخرى وبعد ريادتها التاريخية في قطاع صناعة السيارات، أصبحت هذه الصناعة في وضعية المنتهية الآن، حيث لم يبق فيها سوى مصانع شركة 'روفر' ·· روف، هي الأخيرة الوحيدة في صناعة السيارات في بريطانيا، ورغم ذلك فهي مهددة الآن بالاقفال حيث قد تباع الى مستثمر صيني، إنما رغم ذلك، وبالعودة إلى مسألة المقارنة مع فرنسا، فإن انهيار 'روفر' البريطانية يبقى أثقل وطأة من انهيار شركة 'رينو' الفرنسية عندما اقفلت مصانعها في بلجيكا عام ·1997
ولم تتدخل الدولة في أزمة 'روفر' ضمن سياستها القائمة منذ 25 عاماً والقاضية بعدم تدخل الدولة لانتشال أية شركة تعاني صعوبات، وعندما اشترت طح الألمانية شركة روفر البريطانية عام ،2000 تراجعت انتاجية الفرع البريطاني إلى أقل من نصف الانتاجية في ميونيخ'، حسبما يوضح مدير عام روفر 'كرستوفر هاسكنز'·
ويبدو ان قطاع الحرف اليدوية على طريق الانهيار في بريطانيا أيضاً، وخصوصاً بعد صرف 5000 من عمال هذا القطاع مؤخراً·· وهل يعني ذلك تلوّث المعجزة الاقتصادية البريطانية ببعض اللطخات؟ البريطانيون لايبدون أنهم يكتثرون بمثل ذلك· 'أورينت برس'
المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©