الأربعاء 4 نوفمبر 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم

فرنسا اخترعت المرأة ولكن لتبقى عند حدود أظافرها

فرنسا اخترعت المرأة ولكن لتبقى عند حدود أظافرها
13 نوفمبر 2005

'الاتحاد' ـ خاص:
المرأة في فرنسا تستطيع أن تقول إنها رجل· موجودة في كل مكان: سائقة للمترو ووزيرة للدفاع، ولكن على طريق الاليزيه ثمة عبارة تقول: للرجال فقط···!
لماذا؟ الفرنسيون يقولون انهم 'اخترعوا' المرأة بمواصفاتها الحديثة، ولكن لتتوقف، سياسياً، عند حدود أظافرها· استخدام القلب ينبغي أن يكون محدوداً، فالرئيس، في ظروف الصراع الراهن، لا بد أن يكون حالة بونابرتية، وأن تشهد الساحة ظهور نساء بمن فيهن زوجة زعيم الحزب الاشتراكي 'فرنسوا هولاند'· نساء من أجل نكهة جميلة لمعركة رئاسية حامية الوطيس·
هل ثمة من امرأة في فرنسا تستطيع أن تقلّد 'لويس الرابع عشر'، خصوصا في هذه الظروف التي تشهدها البلاد حيث امتدت احداث العنف من ضواحي العاصمة الى المدن الاخرى حارقة آلاف السيارات ومئات ملايين الدولارات وملقية الظلال على مستقبل قاتم··· فهل تنتظر فرنسا جان دارك أخرى او سيدة حديدية تشبه مارغريت تاتشر الانجليزية؟
ما بين العبقري والأحمق
يعترف الفرنسيون بأن التاريخ عندهم يكتظ بالرجال· لم يعرفوا ملكة مثل 'فيكتوريا' الإنجليزية، ولا مثل 'كاترين' الروسية، حتى أنهم لم يعرفوا رئيسة وزراء بحجم 'مارغريت تاتشر'، وإن كانوا يفاخرون بـ 'جان دارك' التي أحرقها الإنجليز لأنها قاتلت من أجل فرنسا، كما أن شعار الجمهورية منذ العام 1792 هو 'ماريان' التي تقمصت وجهها فنانات كبار مثل 'بريجيت باردو' وميراي ماتيو' و'كاترين دونوف' ثم 'لايتيسيا كاستا'·
ولكن ألا يقول المؤرخ 'الكسندر آدلر' ان 'فيكتوريا' أو 'كاترين' كانت تمتلك كل مواصفات الرجل· لم يكن ينقص أياً منهما سوى الشاربين، لا بل أن الممثل الهزلي الفرنسي 'لوي دو فينيس' لعب دور 'فيكتوريا'، ولكن بشاربين غليظين، وبصوت وصفه بـ 'صوت المطحنة'·
قيل إنها كانت تأكل الرجال· وكانت فظة وعصبية وعاصفة، حتى انه عندما طلب إلى 'صوفيا لورين' أن تتقمص شخصيتها، قالت انه يلزمها، على الأقل، عشر سنوات لتتدرب على عقلية العصر الحجري··
يحدث صدفة، أو سهواً ان تكون هناك ملكة بتلك الضخامة·· الرجال كثيرون ومن كل الأنواع، من 'شارلمان' وحتى 'لويس الرابع عشر'، من 'شارلكان' إلى 'نابليون بونابرت'، ومن 'هنري الثامن' حتى 'ونستون تشرشل'، ومن 'غليوم الأول' وإلى 'أدولف هتلر'· مشكلة التاريخ، قال 'آدلر'، إنه لا يميز بين العبقري والأحمق·
نساء نوبل
يتوقف الفرنسيون عند 'ماري كوري' التي كانت أول من اكتشفت، ضمن فريق ثلاثي، في العام ،1896 المواد الاشعاعية، بما في ذلك الاشعاع النووي· يتجاهل الفرنسيون انها من أصل بولوني، وإن كان زوجها 'بيار كوري' شريكها في الاكتشاف، يتحدر من عائلة فرنسية عريقة·
لسبب ما ينتج الزمن الرجال· الفلاسفة من 'غوته' إلى 'هيغل' و'ديكارت' و'نيتشه' و'هوبز' و'شوبنهاور' و'كانط' و'هيدغر' و'هوتسرل' وسارتر' و'ألتوسير' و'سبينوزا'، والموسيقيون من 'بيتهوفن' و'موزار' و'كوراكوف' و'شتراوس' و'تشايكوفسكي' و'شوبان' و'هايدن'، والعلماء من 'أديسون' إلى 'نيوتن' إلى 'بل' إلى 'اينشتاين'·
النساء كنّ للبلاط وللأدب المرهف، حتى اننا لم نجد فنانات مثل 'مايكل انجلو' أو 'ليوناردو فنشي' أو 'فان غوغ' أو 'بابلو بيكاسو' أو 'سلفادور دالي'·
في العلم كما في الأدب، ومنذ ان حاز 'سولي برودوم' جائزة نوبل في الآداب في العام 1901 وحتى يومنا هذا كم امرأة نالت الجائزة؟ معدودات جداً: التشيلية 'غابرييلا ميسترال'، والجنوب افريقية 'نادين غودريمر' والأميركية 'توني موريسون'·
'كوكل شانيل' كانت تقول ان فرنسا هي التي 'اخترعت' المرأة' (لتبقى عند حدود أظافرها)·
المقصود، طبعاً بالمواصفات الحديثة· ومع ذلك لم توجد حتى الآن مرشحة لرئاسة الجمهورية· 'بيار منديس - فرانس' كان يقول: 'لماذا نتصارع هكذا مثل الثيران؟'· انه سياسي بارز ويعترض، ولكن لا مجال للدم البارد هناك· يذهب 'شارل ديغول' فيأتي 'جورج بومبيدو'، بعده 'فاليري جيسكار ـ ديستان' و'فرنسوا ميتران'، ثم 'جاك شيراك'· مرة واحدة جاء الرئيس 'ميتران' بـ 'اديث كريسون'، فكتبت 'لوكنار انشينه' بعد انقضاء مائة يوم الأولى 'ان طهو المستقبل في فرنسا، يا سيدتي، لا يشبه طهو لحم البقر'··
القيصر هو القيصر
على وجه السرعة تركت الماتينيون واندثرت، فيما كانت دول مثل سريلانكا، وينغلادش، وباكستان، وتركيا، والهند بطبيعة الحال، ناهيك عن دول أوروبية، على رأسها بريطانيا، تنتج رئيسات حكومات من الطراز الرفيع جداً، حتى ان 'الفايننشال تايمز' قالت إن 'تاتشر' أكملت، في السالم، ما بدأه 'تشرشل' بالحرب··
لا ريب ان مستحضرات التجميل تستلزم عقلاً خلاقاً· ماذا كان حدث للنساء لو لم تكن هناك 'كوكو شانيل' أو 'نينا ريتشي'، ولو لم يكن هناك 'كريستيان ديور' و'ايف سان لوران'؟ كان يفترض إحداث تغيير ما في التشكيل التقني للمرأة· هذا حدث· اعترفت 'مارلين مونرو' انها لولا المستحضرات الفرنسية لما كانت بكل ذلك السحر· صناعة المرأة عملية هامة· ولكن لماذا البقاء على مسافة من السياسة؟ بالطبع هناك 'سيمون فيل' و'فرنسواز جيرو' و'ميشال أليو ـ ماري'، كان أمراً مثيراً تعيين امرأة وزيرة للدفاع· لكن الأميركيين أتوا بوزيرين للخارجية هما 'مادلين أولبرايت' و'كوندوليزا رايس'· لا تسألوا عن الروس· الرجل هو الرجل، القيصر هو القيصر· الملكة 'كاترين' لم تتكرر، ثم أن الشيوعية التي غطت معظم القرن الفائت هي ايديولوجيا الرجال أكثر منها أيديولوجيا النساء لأن التاريخ هنا يمشي بالفحم الحجري'، كما كتب المنشق السوفييتي الشهير 'بوريس باسترناك'، وليس بأحمر الشفاه·
لست أفلاطون
الآن، يطرح رجلان لرئاسة الجمهورية من المعسكر الواحد: رئيس الحكومة 'دومينيك دو فيلبان' الذي يحاول أن يثبت للفرنسيين أنه يحبهم بالقدر الذي يحب فيه فرنسا· الواقع أن المطلوب من هذا الشاعر والفيلسوف أن يثبت لهم أنه ليس 'أفلاطون'، وأن اهتمامه بزهرة البنفسج التي هي الزهرة المفضلّة في مكتبه لا يقل عن اهتمامه بأسعار الوقود، فالصحافة الفرنسية لم تعد تتحدث عن البراميل التي تتدحرج نحو الأعلى، بل عن تلك التي تطير، إنها البراميل المجنّحة·
وزير الداخلية هو الأقوى· 'نيكولا ساركوزي' الشديد التماسك، الفعّال، رجل المطرقة، تمكن من أن يتقدم الصفوف قبل أن تفجر وسائل الإعلام الفضيحة، ولكن بكلمات رقيقة جداً· زوجته 'سابين' شوهدت مع صديق له يداً بيد· هذا مسموح للرجل، حتى انه كانت للرئيس الراحل 'فرنسوا ميتران' ابنته غير الشرعية 'مازارين'· بالنسبة إلى المرأة هذه فضيحة، وإن كان الفرنسيون يتعاطون معها من رؤوس شفاههم· هذا لا يغير في الأمر شيئاً· قيل 'ساركوزي'، بالشخصية الحديدية، بدا وكأنه تحوّل إلى تمثال من الزجاج· وجه غائم، بل ومتهالك· في السر يقول الفرنسيون حين يخفق الرجل في الامساك بزوجته كيف له ان يمسك بالدولة؟ امرأة حطمت الرجل الذي حطم الجميع··
أين هي؟
الهزّة مأساوية، لا شيء يمكن أن يحطم السياسي مثل هذا· وزير الداخلية الهنغاري الأصل، والذي طالما ركز على 'استعادة أخلاقنا'، يتلمس الخنجر الذي في ظهره· في كل الأحوال، يفكر بطريقة أخرى، لن يذهب وحيداً إلى الاليزيه كي لا يقال أين هي التي كانت معه· يحكي عن زواج آخر يمحو الظلال التي تركتها المرأة التي أخذت بجاذبية رجل الأعمال الوسيم وتركت السياسي يتهاوى·
حدث شكل آخر من 'الخيانة'· زعيم الحزب الاشتراكي 'فرنسوا هولاند' يتطلع إلى الرئاسة، متحدياً 'لوران فابيوس' لا 'ليونيل جوسبان' الذي يحاول عبثاً إعادة ترتيب عظامه، وهو الذي حطمه 'جان - ماري لوبن' في الانتخابات الماضية، بالأحرى انه يواجه 'جاك لانغ' و'دومينيك ستراوس كاهن'· لابد له أن يفاجأ بأن زوجته وأم أولاده الأربعة 'سيغولين رويال' أعلنت انها يمكن أن تكون مرشحة الحزب في العام ·2007
استطلاعات الرأي أعطتها 23 في المئة في مقابل 22 لــ 'ستراوس كاهن' و17 في المئة لــ 'فابيوس' الذي ابتعد عن الحزب لدى التصويت على الدستور الأوروبي وعارضه بشدة بل بضراوة· أما 'جاك لانغ'، المثقف الذي لا يشق له غبار والذي يملأ رأسه بكل شيء، فقد تقدمها بنقطة واحدة فقط·
عادة، وفي كل انتخابات فرنسية، تطرح 'مارتين أوبري' نفسها· الوزيرة التي خفضت ساعات العمل، فرقص لها العمال وهم يلوحون بقبعاتهم· ولكن هل حقاً أن الفرنسيين يفضلون، في هذه المرحلة، الرئيس الذي يستخدم جزءاً من قلبه وليس كل قلبه، لأن ثمة مظاهر للترهل والعودة إلى الوراء، على المستوى الاقتصادي كما على المستوى التكنولوجي·
بحثاً عن الحالة البونابرتية
هذا يهزّ الفرنسيين في العمق· لا يمكن لفرنسا أن تصبح اسبانيا أو حتى ايطاليا· الرجل الذي يذهب، هذه المرة إلى الاليزيه ينبغي أن يعرف أين يتقاطع، وعلى نحو مدو، الواقع مع الخيال·
واقعي جداً ويعرف كيف يدخل إلى عمق الأشياء، وعمق المشاكل، وخيالي جداً، لا يبقى هناك، ولا 'يذوب' كما رجل الجليد بل يتقن صناعة الأفكار والبدائل· فرنسا تبحث عن تلك الحالة البونابرتية· هل هذه يمكن أن تتوفر في أي امرأة بمن فيهن وزيرة الدفاع الحالية 'ميشال اليو - ماري' التي قد تطرح نفسها كحل وسط بين 'دوفيلبان' المتهم بالرومانسية الشديدة و'ساركوزي' الذي يفاخر ببراغماتيته الشديدة·
لا ريب ان مرشحة فرنسية تختلف عن الألمانية 'انجيلا ميركل' الآتية من الضفة الأخرى لجدار برلين· في وجهها كل الأحزان التي ترعرعت هناك· طرحت أفكاراً، وفازت بفارق ضئيل· هل ندم الألمان لأنهم انتخبوا امرأة·
في ذلك التراث الألماني الهائل تكاد لا تعثر على امرأة تهزّ الدنيا· حتى في السينما لا تجد سوى 'ماريا شل' و'ناستازيا كينسكي'، وحين تذكر 'رومي شنايدر' فهي نمسوية، أما 'هانا شغولا' فهي من أصل بولوني، يكفي أن الرجال هزوا الدنيا أكثر من مرة·
أن نشبه الآخرين
سأل 'هنريتش بول'، الألماني الذي حاز جائزة نوبل في الآداب، ما 'إذا قد خلقنا من أجل شيء آخر'· يستدرك: 'علينا أن نشبه الآخرين· هذه هي مهمتنا الكبرى'· أي آخرين؟ 'ميركل' تحاول أن تهدم جدار برلين الذي بين الرجل والمرأة في بلادها· مهمة مستحيلة بالتأكيد، على الأقل في الوقت الحاضر، لأن هذا زمن الصراع بين الأقوياء، من يسقط يسقط إلى الأبد·
الفرنسيون يحلمون بـ 'مارغريت تاتشر' فرنسية· تسخر 'لوكنار اينشينه': 'لا حل وسط بين جان دارك وبرجيت باردو'· كانت 'سيمون فيل' تشكل حالة· ولكن كيف لها أن تخترق تلك الغابة من الرجال· المرأة لها حضورها في كل مكان، وان قيل ان 'سيمون دوبوفوار' لم تكن أكثر من ظل لـ 'جان بول سارتر'، بامكانها أن تكون سائق مترو أو وزيرة للدفاع· ولكن في الاليزيه يفترض أن يكون هناك رجل يقلد، بشكل أو بآخر، 'لويس الرابع عشر'·
على كل، بشكل عام، المرأة في أوروبا لا تزال، سياسياً، دون الرجل· قد تجدها رئيسة للحكومة في ايسلندا والنرويج وفنلندا· في بريطانيا حدث هذا مرة واحدة، ولكن، بشكل عام، الآخرون يعتبرون أن السياسة للرجل·
ذات يوم، كتبت 'فرنسواز جيرو': 'هل كان جنكيز خان··· امرأة'· كانت ساخرة ساخرة· ضحك الفرنسيون الذين أدركوا ما يعنيه السؤال، هم الذين يعرفون ان القارة العجوز أنتجت أكثر من 'جنيكز خان'··
على الطريق إلى الاليزيه كتبت هذه العبارة: للرجال فقط!
أورينت برس
المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©