21 ديسمبر 2010 20:30
توقفت أمام نافورة تريفي، يا إلهي حتى وهي غائبة عني لا تزال قادرة على رسم ابتسامة على وجهي، لا يمكنني أن أمر هنا ولا أتوقف فهي تحب هذا المكان، رميت قطعة نقود في النافورة كما كنا نفعل أنا وهي، تأملت النافورة للمرة الألف، فقد كنا نقف أمامها كل يوم، كانت هي تحب أن تكون إحدى العذراوات الثلاث اللاتي يرمزن إلى الجمال والخصوبة كما تقول الأساطير اللاتينية القديمة.
أكاد أسمع صوتها الرقيق وهي تحكي قصة هذه النافورة وحركات يديها الاستعراضية الطفولية، هي تحب هذه النافورة كغيرها من ملايين البشر، وأنا أحب أن أسمع روايتها، صوتها لا يزال يرن في أذني: عام 1762 وبأمر من أحد البابوات باشر المهندس نيكولو سلافي بناءها على بقعة صخرية يقع فيها نبع ماء غزير هو نبع العذرية، حيث كانت بنات روما في ذلك الزمان، يأتين إلى هذا النبع لتمني الزواج بينما تقصده النساء المتزوجات من أجل تمني نعمة الأمومة وطلب الذرية. فقد كان لذلك النبع قبل أن تبنى عليه هذه النافورة أساطير تحاك حول تحقيق الأمنيات.
ثم تضحك وتروي الرواية التي تفضلها وهي أن هذه النافورة تمثل قصة عذراوات ثلاث ذكرتهن الأساطير اللاتينية وهن يرمزن إلى الخصوبة والنقاء. أما رمزية النافورة والأشكال التي تحملها فمعانيها تدل على الخير والجمال والحق. ويمثل وسط النافورة تمثال نبتون الذي يقف على عربة يجرها حصانان وتحيط بها العذراوات الثلاث، فيما البركة التي يصب فيها الماء الغزير تمثل المحيطات ودائرتها البيضاوية تمثل الفصول الأربعة في تقلبها وتغير أحوال العالم.
جبت كل المطاعم والمقاهي في شارع»تراستيفيريه»، وأخيراً استقر بي الحال في مقهى سانتوني الذي كانت تفضله، جلست في انتظارها، وتناولت قهوتها الإيطالية المفضلة..
كانت كل رشفة تجعلني ابتسم لأنها كانت تحضرني خصيصاً إلى هنا كل صباح في ذلك الشتاء قبل أربعة أعوام..
تأخر الوقت ولم يعد غيري في المقهى فتقدم نحوي النادل العجوز المهذب الأنيق قائلا: اعذرني يا سيدي فهي لن تأتي ونحن على وشك الإقفال..
سرت بعدها منكفئاً على نفسي، البرد قارس ورياح الشمال تعصف محولة كل شيء إلى زمهرير يكاد يجمد كل شيء، رأسي يؤلمني من البرد ووجهي يكاد يتجمد وأسناني تحدث صريرا وهي تصطك بردا إلى أن وصلت إلى ساحة نافونا حيث رأيت بائعاً آسيوياً قد أشعل ناراً على موقد وضعه على برميل ويبيع عليه كستناء مشوية، توقفت أمامه طلباً للدفء وكأن الحركة تجمدت في هذه الساحة التي يؤمها العشاق من كل مكان..
? من نص لا يزال يعتمل في الذاكرة
rahaluae@gmail.com