الضرورات تبيح المحظورات من قواعد الفقه المهمة، ويقول عنها الدكتور محمد الدسوقي -أستاذ الفقه بجامعة القاهرة - هذه القاعدة من أهم القواعد الفقهية التي تمثل سعة الشريعة الإسلامية ومرونتها، حيث راعت حالات الاضطرار الطارئة في ظروف استثنائية، والأعذار التي تنزل بالناس، فقدرتها حق قدرها وشرعت لها أحكاماً استثنائية تناسبها وفقاً لاتجاهها العام في التيسير على الخلق ورفع الأغلال التي كانت في بعض الشرائع السابقة.
والأصل في هذه القاعدة ما جاء في كتاب الله تعالى من استثناء حالات الضرورة والمخمصة في الأطعمة المحرمة. يقول الله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا الله إن كنتم إياه تعبدون. إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم» (سورة البقرة).
وأباح - سبحانه وتعالى - الأكل من الطيبات ثم ذكر المحرمات واستثنى منها حالة الاضطرار، فأباح للمضطر ما حرم على غيره، بشرط أن يكون غير باغ ولا عاد أي غير ساع في فساد أو متجاوز مقدار الحاجة والضرورة.
ومن أمثلة قاعدة «الضرورات تبيح المحظورات» جواز كشف العورة أمام الطبيب المعالج، إذا توقفت مداواة المريض على ذلك، استناداً إلى هذه القاعدة.
ومن أمثلتها أيضاً، من خشى الهلاك جوعاً أو عطشاً أو موتاً في مكان ما ولم يجد ما ينقذ به نفسه سوى الميتة، أو الخنزير أو الخمر أو مال شخص آخر غير مضطر مثله جاز له أن يتناول منه مقدار ما يدفع به الهلاك، لأن صيانة النفس أعظم وأوجب من صيانة مال الغير واحترام حقه ومن أكل الميتة أو الخنزير.
ومع أن الشريعة الإسلامية تبيح للإنسان أن ينقذ نفسه بالأخذ من مال الآخرين، فإنها توجب على الأخذ ضمان قيمة ما أخذ حفظاً لحقوق الآخرين، ولذلك جاءت قاعدة أخرى توضح هذا المعنى تحت عنوان «الاضطرار لا يبطل حق الغير».
ومن الأمثلة أيضاً الكذب في الحرب ضرورة مع غير المسلمين كما قال صلى الله عليه وسلم: «الحرب خدعة». والكذب لأجل الإصلاح بين المتخاصمين ضرورة من أجل التوفيق بين المسلمين إذا لم يوجد حل إلا ذلك. كذلك غيبة رجل لا يصلح للزواج تقدم إلى أناس وأنت تعلم حاله ولا بأس من أن تغتابه للضرورة ولا حرج في ذلك. ومن أمثلة هذه القاعدة أيضاً، سفر المرأة بغير محرم يكون ضرورة في حالات، كمن مات محرمها في الطريق، أو أجبرت على الخروج من بلد بالقوة وليس لديها محرم أو مضطرة للهجرة من بلاد غير المسلمين إلى بلاد المسلمين وليس عندها محرم وعائشة - رضي الله عنها - في غزوة بني المصطلق لما تركها الجيش وذهبوا وظنوا أنها في الهودج وهي كانت تبحث عن عقدها بعيداً عن الجيش مر بها صفوان بن معطل السلمي - رضي الله عنهما - واقتاد بعيرها وذهب بها للضرورة لأنها بمفردها ولا أحد معها.
كذلك لو شاهدت حادث سيارة في طريق سفر وامرأة تحتاج إلى من يسعفها فيمكن أن تأخذها للضرورة ولا حرج في ذلك وترك الجماعة في المسجد لوجود مجنون أو مريض في البيت يخشى عليه ويحتاج إلى من يقف بجانبه ويرعاه لأن حالته خطيرة ضرورة تترك لأجلها صلاة الجماعة. والسفر إلى بلاد غير المسلمين للعلاج إذا لم يوجد علاج إلا في هذه البلاد جائز للضرورة، ووضع النقود في البنوك الربوية لحفظها إذا لم يوجد إلا هي ضرورة كأن يكون في بلد غير إسلامي لا توجد به بنوك إسلامية ويخشى على هذه الأموال من الضياع أو السرقة.