الجمعة 15 مايو 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
التعليم والمعرفة

«بلاد الشام» يقدم أبعاداً جمالية وروحية وإشراقات بصرية

«بلاد الشام» يقدم أبعاداً جمالية وروحية وإشراقات بصرية
29 سبتمبر 2012
(الشارقة)- ضمن 171 لوحة مختارة من مقتنيات صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، والمعروضة حالياً في متحف الشارقة للفنون تحت عنوان “بلاد الشام”، يمكن للمرء أن يختبر قيمة التوثيق البصري ليس من خلال بعده التاريخي فقط، ولكن من خلال أبعاد جمالية وروحية وإشراقية موازية أيضاً، خصوصاً وأن هذا المعرض الاستثنائي الذي يضم أعمالا لثلاثين فناناً مستشرقاً، هو أشبه بسفر وارتحال واختراق لأزمنة وعهود بعيدة، ويستعيد كنوزاً تصويرية متوارية في أرشيف الذاكرة الإنسانية والفنية. والمعرض الذي تنظمه إدارة الفنون بثقافية الشارقة، بالتعاون مع مجموعة متاحف الشارقة يحفل بلوحات منفذة بتقنية الليثوجراف أو الطباعة الحجرية البارزة والأخرى المسطحة التي تقدم مسحاً طوبوغرافياً واجتماعياً للأمكنة والفضاءات والتجمعات البشرية، وتوثق لأنماط وسلوكيات ومظاهر الحياة في القرن التاسع عشر في كل من فلسطين وسوريا ولبنان والأردن، التي كانت تشكل كتلة أو مزيجاً من المخيلة الدينية الجاذبة لكثير من الشعراء والأدباء والحالمين بزيارة الأماكن المقدسة التي تزخر بها المرويات والقصص والحوادث المذكورة في الكتب السماوية الثلاثة. وتعليقاً على إقامة هذا الحدث الفني الكبير أشار التقت “الاتحاد” مع هشام المظلوم مدير إدارة الفنون بدائرة الثقافة والإعلام بالشارقة الذي إشار إلى أن معرض “بلاد الشام” هو الأول من نوعه في المنطقة لأنه يضم مجموعة فريدة من اللوحات الاستشراقية الأصلية التي تنقل نبض الحياة والطبيعة الجغرافية والمناخ الديني والعمارة القديمة في حواضر بلاد الشام، وأوضح المظلوم أن صاحب السمو حاكم الشارقة من خلال عرضه لمقتنياته الخاصة في هذا المناسبة الفنية المهمة، إنما يرسخ لقيمة التواصل والحوار الثقافي بين المرجعيات والأديان المختلفة، والارتكاز على الفن كوسيط وجسر بين هذه الثقافات المختلفة، وتوطيد علاقاتها القائمة على التسامح واحترام خصوصية الآخر. ونوه المظلوم بأن معرض بلاد الشام يعكس الجانب التقني المبتكر لفناني تلك الفترة، كما يعبّر عن روح المغامرة والاستكشاف لدى الفنانين الأوربيين، وتوضّحت هذه التقنية كما أشار المظلوم من خلال حفر الأعمال على الحجر وطباعتها بحد أعلى في عشرين نسخة موقّعة، ومن هنا كما قال المظلوم تنبع أهمية هذه المقتنيات النادرة، وتبرز قيمتها التاريخية التي نقلت لنا مظاهر الحياة من ملابس وأزياء، وطرز البناء والممارسات الدينية والتجارية في تلك العهود البعيدة. يذكر أن معرض “بلاد الشام” يقدم صورة شاملة ــ كما أشارت مدونة المعرض ــ للكثير من الأمكنة والشواهد التي تقدم تصورات مرئية واقعية بالغة المهارة والإتقان تعنى بالمنظر العام، وتتشبع بالتفاصيل الدقيقة لأبرز ما وجد في أرجاء بلاد الشام الشاسعة الممتدة من الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط إلى حدود بلاد الرافدين من مدن وبحيرات وأنهار وبحار ووديان وسهول وشلالات وآبار وينابيع مياه، وأطلال وأسواق، ومساجد وكنائس، وأضرحة وأديرة، وبوابات وأسوار وقلاع وحصون وجسور وشواهد أثرية، وغيرها الكثير. ومن أبرز الفنانين الأوروبيين الذين يحتضنهم المعرض والذين قدموا إسهاماتهم الفنية الثرية حول هذه التفاصيل الغارقة في القدم، الفنان ديفيد روبرتس، وهـ ماك فارلان، وهـ باترليت، وس ستانفيلد، وفيتزمورس، وج وليامز، و أ. و. كاكوت، و ج. م. تيرنر. وفي استعراض مكثف لبعض اللوحات الخاصة بالحدث، نجد في لوحة بعنوان “وادي سلوان” للفنان ديفيد روبرتس هذا الاستدعاء البانورامي للأطلال الرومانية القديمة والمتهاوية في الطريق بين جبل موريا ووادي الزيتون بفلسطين، والتي تعكس النظرة الرثائية لدى الفنان ورغبته في اقتناص التفاصيل التزيينية للشواهد، وهي تعاني الاحتضار العمراني، وقسوة الزمن التي حولت الأعمدة المهيبة المحاطة بسماء حارسة، إلى قطع أسطوانية متدحرجة ومستقرة على حواف الوادي، وكأنها تستغيث بمهندسيها وبناتها الأوائل كي يعيدوا لها المجد الذي ولّى، والذي صرعه الدهر وشوّهه الزمان بجبروته وصيرورته النافذة التي لا تعرف التوقف، أو البكاء على الأطلال. أما لوحة الفنان ماك فارلان بعنوان “سهل في أريحا” فتصور في لقطة عامة وشبه حية طقوس البدو الرحل، وهم يريحون إبلهم وخيولهم في سهل شبه مقفر كي ينطلقوا لوجهاتهم ومقاصدهم بعد ذلك، ويطغى اللون الطيني أو الصحراوي على اللوحة لنقل الانطباع الذاتي حول حجم التعب والمعاناة التي مرّ بها هؤلاء الرحالة، والذين يبدون في تفرقهم، وكأنهم يتناقشون حول الاتجاه الصحيح الذي يجب أن يسلكوه، وهذه المتاهة الجغرافية كانت واضحة في أبعاد اللوحة خصوصا وأن خلفية المنظر تستكين وتستسلم لهيبة الرمال وحضورها الطاغي على العناصر البشرية والحيوانية في اللوحة. وعلى عكس هذا الشيوع الأصفر المقرون بالمغامرة وإمكانية العثور على منفذ، أو معبر يقود الرحالة إلى بوصلة الأمان، فإن لوحة الفنان داناس المعنونة بـ “وادي الشلال” يتلبّسها هذا اللون الداكن والمقفل والخانق لجبال تحاصر عائلة صغيرة تحتمي بخيمة صغيرة وبالية، ونلاحظ الهيمنة البصرية للجبال السوداء التي تحتل ثلاثة أرباع اللوحة، بينما تنزوي العائلة في القسم السفلي من اللوحة، تعبيرا عن حالة الانسحاق والخوف وقلة الحيلة التي تسوّر المناخ العام للوحة وتضع المشاهد في معية عواطف قاتمة ومنذورة للشؤم واليأس والخضوع المطلق للطبيعة الجرداء والموحشة والضارية، وكأن مصير العائلة هنا مرهون بما لا يمكن الرهان عليه أصلا، فالمكان يكتسي كلياً بالحجر، وينبذ أية بشارة للزرع والشجر. ولنقل التنوع الجغرافي والبيئي والاجتماعي في بلدان الشام يصور الفنان و. هـ بارليت الآثار المهمة لمدينة بعلبك التي تتضمن قيمة تاريخية كبرى، ويبدع الفنان من خلال لوحته المسماة “داخل المعبد الكبير في بعلبك” في تجسيد النقوش والتخاريم والتفاصيل التزيينية التي يزخر بها مدخل المعبد، ونرى في عمق اللوحة الأعمدة الضخمة المطرزة بصمتها وأسرارها المحاطة بعراقة المكان وهيبته وبعده الميثولوجي الطازج والذي يبدو وكأنه خارج لتوه من سجلات القصص الملاحم والأساطير.
جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©