لماذا لا نستطيع اكتشاف جمالك وخفايا أسرارك والامتزاج بك أيتها الحياة؟ هل بسبب الضباب الذي يحاصر نفوسنا وأرواحنا وأفكارنا وأحلامنا؟. فكيف إذن نستطيع أن نعلي من سخونة هذه الروح؟ وكيف ننفخ الرماد عن جمرتنا، وكيف ينقشع الضباب ونرى في مرايا النفس صفاء أفكارنا وطموحاتنا؟ نحن ندرك أننا بشر تمتلئ قلوبنا بالخير والمحبة والذكاء والإبداع. ونريد أن نحيا في طمأنينة ورقي وسلام. نريد أن يكون وجودنا في الحياة خفيفاً على نفوسنا، وعلى نفوس الآخرين. نريد أن نكون نافعين للآخرين ولأنفسنا، وللطبيعة التي هي مصدر بقائنا وحيويتنا. وحين ندرك أن لكل كائن في الطبيعة خيره ومنفعته، ونحن بعض هذه الكائنات. ولعل وظيفتنا كبشر في هذا الوجود هي العمل على استمرار منافعه، وتحسين شروط عيشنا وعيش جميع كائنات الطبيعة فيه. وحين نستطيع بوعينا الإنساني أن نجعل الحياة أجمل وأكثر تحضراً وارتقاء، فإن أي عائق يحول دون هذا الارتقاء، وهذا الجمال، ينبغي أن يزول، لتبقى لنا رسالة الحفاظ على الخير والجمال والسلام.
وأنا أرفض المقولة الشهيرة التي اطلقها الفيلسوف سارتر: «الآخرون هم الجحيم»، فقد استخدمها في غير موضعها ومعناها الفلسفي. فالآخرون ليسوا جحيماً إلا حين يكونون عثرة في طريق الارتقاء والتطور، أفراداً كانوا أم جماعة. فما من إنسان لا يحتاج إلى الآخر، مهما كانت درجة اعتداده بفرديته وقوته. بل إن الإنسان يحتاج أكثر للآخرين حين تنهض مقاصده على الخير والرقي والسمو. إننا نحتاج للآخرين دائماً في علاقة تنهض على الإدراك العميق لضرورة التكامل معاً. كي نقتسم معهم انتصاراتنا وأحلامنا. إن الحقيقة التي يستشعرها كل فرد في أعماقه، بوعي أو من دون وعي، هي أنه يحتاج أن يكون محباً ومحبوباً. وهذا الشعور غريزة تكمن ليس في طبائع البشر فقط، بل في أغلب الكائنات الأخرى. ولكن كيف يمكن أن تتم هذه المعادلة دون أضرار تلحق بمسيرة التطور الشخصي لكل طرف؟ ففي علاقتنا بالآخر نفقد جزءاً من حيويتنا وقدراتنا وحرية أرواحنا، في ظل قيم قد تؤثر في هذه العلاقة. إن رغبة الإنسان في السيطرة على ما يحيط به هي الغريزة الذاتية التي لم تشذب بعد. ربما بسبب إحساسه بالعجز أمام هذا الكون الهائل، وأمام هاجس الموت والفناء. وتتعدد وجوه السيطرة وقد تتخفى، بأغرب الوسائل بعداً عن الخير، للسيطرة على العقول والأبصار!