لعل أجملَ فطورٍ ذلك الفطورُ البدائي الذي جربته في القرية العثمانية في نواحي بورصة التركية، ومرة تحت شجرة تين عجوز كبيرة، وعلى بساط من لحاء الشجر وأعواده، كانت تقدمه عجوز تركية مع ابنتها، وتتذكر في الصغر فطوراً ذاتَ صيفٍ كان في الباطنة، وكنت واقفاً على رأس التي تعجن وتخبز خبز البُر، وعينك على «غرشة» العسل، و«دَبّة» سمن الدار، ومرات في صباحات «محضة» كان فطوراً شهياً بألفة الناس ومحبتهم في منزل حياة من كنت أسميها أمي «ريد».
فطور «جشتاد» كان في بيت خشبي مغطى سقفه بالثلج، ومحاطة جوانبه بالثلج، ترى فيه المدفأة التي يطقطق حطبها، فتنسى منظر البياض البارد والطاغي على المكان، لا تتخيل إلا طُهر البياض، ولا يبقى في العينين إلا ظل رجال يتوشحون به، ميزتهم الخير والصدق وذلك الشرف النبيل، فطور غير عادي في ذاك المكان ستقبض عليه الذاكرة طويلاً، وسيزورك حين تفتقد الراحة في أيام عجلى، وساعات تلتهم يومك بأرقامها ومراجعاتها ونسبها المئوية، فطور على شرفات مطلة مرة على البسفور، ومرة على منظر السفن الغادية، وأنت بتلك الضجعة التي تشبه كسل حاشية سلاطين القصر العثماني، ثمة بذخ في الأكل التركي لا تصل إليه موائد شعوب العالم، واكتفاء كفيل بأن يجعل من تكوينك جثة لا يزحزحها اثنان من الجيش «الإنكشاري».
فطور على شرفات في جزر، مرة «كوسو موي» التايلاندية، ترى تلاطم أمواج المحيط أمامك كنمر واثب، ومرة في «لنجاوي» الماليزية، حيث تتسرب لك أدخنة وبخور المعابد، وتلك القِصَعُ النحاسية، وأقدام كأنها تدوس القطن، لا صوت، ولا سمع، ولا شيء يوحي بغير صمت المعبد، الباردة جدرانه، ومرة في «بالي» الإندونيسية، حيث الأجواء والطقوس أشهى من الأكل، فطور صيفي يشاركك البحر فيه، وتلك الغصة التي شرقت بها مرة في جزيرة «كوريسيكا»، حيث تهاوت أضلع الصدر فجأة، وفطور مستلذ في مدن اليمن كلها، وله رائحة الريف، وطعم الجبل، وروحانية الناس الطيبين، لا شيء يشبه فطور أهل اليمن.
فطور في صباحات بيروت الكثيرة، حين تكون بيروت فائقة على نفسها، ومن أجل نفسها، فطور لا تشتهي غيره، وكأس الشاي الأحمر المفتول يكاد يزيح كل ما يريد أن يعلق بالرأس، ليمنحه حرية السفر، وطمأنينة سكون المتأمل، فطور صباحات بيروت له مذاق عافية النهار بطوله.
فطور مدن كبيرة يرهبك أن تكون وحيداً فيها، كمدن ألمانيا والدول الإسكندنافية القاسية التي تعاملك كعامل مطارد بالوقت، وسعة المكان، فطور مدن يشعرك بعضها باليتم، مثل فطور لندن، والمدن الإنجليزية التي تظل تمضغ شيئاً لا تعرف غير قيمته الغذائية.
فطور بسيط على دكة إسمنتية في بومبي، مقابل مطعم يضج بمحبّي الصبح والبكور، تتناول شاي «كرك» في صحن الكأس ليبرد كعادة الهنود، ومرضام خبز «براتا» ساخن تمنيت ألا يخلص حينها، فطور «الحاجة سعدية» المغربي، والذي تصنعه لك، وكأنه لابنها ذاك الذي غامر مرة باتجاه البحر، ولم يعد بعد، ثمة فطور في تونس وإسبانيا، والبرتغال، واليونان، والبرازيل والمكسيك وكوبا، ومدنها المختلفة، فطور على النيل، وشط إسكندرية، فطور صباحات مدن كثيرة، أشعرك حينها بالعافية، وأمدك بفرح لا ينتهي مع اليوم.. ودام كثيراً في الذاكرة!


