إن تقدير إبداعات الآخرين بشكل عام والاعتراف بالحالة الجمالية فيها، أمر يختلف تماماً عن إحساسنا بمشاعر الميل أو الحب تجاهها، فتلك الأحاسيس التي تعتمل بدواخلنا أثناء قراءة عمل ما نتيجة التغيرات العصبية التي تطرأ علينا بسببه، لا يمكن عبورها بتجاهل، وحسب قناعتي أن الحالة الجمالية الناتجة عن أي عمل إنما تُقدر بجملة الأسئلة التي يستحثها العمل فينا (الناتج الإبداعي)، سواء أكانت هذه الأسئلة ناتجة عن حالة غضب أم فرح، ألم أم لذة، استحسان أم استهجان، رفض أم قبول، وما بين كل تلك المتناقضات من أطياف المشاعر الإنسانية المتباينة سواء التي أفلح البشر في وصفها أو لم يفلحوا حتى الآن.
أعتمد كثيراً على هذه الآلية في تقييم كثير من الأعمال الأدبية، وسواء كان النص مقالاً أو رواية، طالما أنه صحيح اللغة وسلس الصياغة، فذلك يكفي ليحصل على تصنيف جيد، غير أن تصنيفه الجمالي مقرون بمقدار الحالة الانفعالية التي يتركها على المتلقي. نميل عادة للعمل الذي يثير فينا المشاعر الطيبة ويتفق مع تطلعاتنا، وفي المقابل يكون لنا موقف متشنج تجاه غيره من الأعمال المستفزة لمشاعرنا. تأتي هذه الحالات كاستجابات عصبية كوننا نركن إلى ما يريحنا ويبهجنا، وهي حالة نادراً ما تفيدنا في بناء إضافة لاحقة حقيقية بعد انتهاء هذه المشاعر، بينما ما يستفز مشاعرك ويثير حنقك وغضبك، ويجعلك تطرح أسئلة وتحاول الإجابة عليها مستدلاً بحجج في تحدي العمل، هو بالتأكيد عمل قوي سيجعلك مختلفاً وأقوى.
دفعتني قراءة مؤخراً -لا داعي لذكر عنوانها- إلى مساحة عامرة من مشاعر الألم الخانق تجاه البطل الذي كان يعمل أستاذاً، وغضب غضباً شديداً من والده ووالدته وأصدقائه وحتى طلابه وزملائه في المدرسة، وتجاه شقيقته وتجاه حبيبته وأمها وحتى تجاه الرجل المسن الذي كان عابراً يرفع رأسه للسماء لاعناً الحرب! تملكتني مشاعر الاستهجان من الغرف والبيوت والشوارع والظروف التي نشأت فيها نماذج بشرية كهذه، وأثار غضبي طرح عشرات الأسئلة التي كانت تندلق على لسان شخوص الرواية بلا أجوبة، عقيمة حتى من بادرة أمل في إجابة شافية. في التصنيف الأدبي، أحوال كهذه تعد تجليات الحالة الجمالية للعمل، التي إن تمكنّا من القبض عليها سنقترب أكثر من تفسير حقيقة الجمال.


