لأن في حقيبته براعم فرح ولأن في ضميره طاقة من باقات الابتسامة الصباحية، ولأنه مع إشراقة الشمس يحمل في طياته أناشيد العصافير، ولأنه منسق للمشاعر ومرتب لتفاصيلها، ولأنه العين التي تطل على الحياة من دون غبار الأيام، ولأنه ينسج خيوط الجلباب الأبيض ومعصم الرأس المنقوش برائحة الروح والريحان، ولأنه يضع فصوص الذهب على فساتين ذوات الرموش الحالمة ويرسم على النحور قلادات من وهج النهار.
العيد هذا الصديق هذا الرفيق هذا الأنيق هذا المهذب العذب والمشذب، العيد يأتي في كل عام مرتين وفي معطفة الحرير يضع عطر المواقد الصباحية في أطباق وصحون والصواني ويملأ وجدان المجالس بأحلام الصغار وأناشيد الطير وأغنيات الموجة ونغمات السدرة وهي تحرس عيوناً وشجوناً.
العيد في أزمنته وفي فصوله وأصوله وفواصله، سكب من غيمات وأمنيات ونظرات تستدعي فقرات من مشاهد مرت، وأخرى تمر وبعضها لم تزل عالقة في الذهن كأنها بقايا قطرات الشهد.
العيد ليس مناسبة فحسب، بل هو أغنية خالدة في الذهن العيد لمسة عطر لم تزل تعبق أحلام طفولة مرت من هنا من طرف القلب، ولم تزل تسكب وشوشاتها في الضمير والذاكرة، محفظة الأيام الذاكرة، قلم، ودفتر رسم صوراً، ونقش على صفحات القلب وجوهاً رائعة، وابتسامات رائقة، ونظرات برونق الورد، وهمسات بنغمة القيثارة الصحراوية في منعزلات كهان المحبة.
نحب العيد ونهواه ونعشق أيامه، لأنه الصديق الذي لم يتخل عن عرفه وتقاليده، لأنه لم يزل يحمل تلك الصورة المثالية لبياض الجلباب ونقش الحناء، لأنه لم يزل يحملنا مسؤولية الالتزام بالابتسامة في وجه من نحب، رغم كل الغبار الذي تراكم على الروح، ولكن لا بد من فصول من البهجة التي يلقيها عليها هذا الصديق الأنيق، هذا الحلم الزاهي في نفوس طفولتنا، كما هي بين جوانح صغارنا الذين نرى أنفسنا فيهم، ونشعر بقيمة الزمن عندما نتأمل ابتساماتهم العفوية، وضحكاتهم الفطرية الصافية كأنها عيون الطير.
العيد صديق الطفولة، ورفيق درب مرت عليه عقود من اللهفة الصباحية، مرت عليه عهود من رش العطر على جلباب وفستان، ولم تزل الرائحة تفوح من زمن كان أحلى ما فيه رائحة الأحلام وهي تداعب رموش البراءة، وتغزل قماشة الفرح على شفاه أشف من وريقات التوت.
في هذا الصباح تأملت صورة رسمت هالتها على عيني، تأملت طفولة غاربة وأياماً توارت خلف العمر، ولم يزل القلب طفلاً لم يزل يعشق جمال العيد، وجمال الوجوه، كما يعشق الوردة عند عتبة باب منزل قديم.
تأملت لون النهار في العيد زاخراً بوجوه كأنها السحابات، عيون كأنها البلورات، وابتسامات كأنها أجنحة الفراشات، تأملت طفولة مرت من هذا الزقاق، وذاك، واستمرأت النظر إلى فساتين أزهى من قوس قزح، وشممت عطراً داعب المشاعر كأنه الموجة المشاغبة في العيد، نحن نستدعي طفولة ونسترجع عمراً.


