أخيراً.. ارتاح المشاغب بعمق في تفاصيل الحياة والفن وبعيد الأشياء، ارتاح ذاك الرجل ذو النكتة السياسية السوداء، ارتاح ذاك الذي كان ينعى الوطن وهو يغني للوطن، ارتاح بعد أن أيقظ الناس أن بينهم عبقري لم يتحمل الكثير جنونه، لكنهم أحبوا فنونه، ارتاح باتجاه نهاية كان يعرف مداها وأقصاها ذاك الفتى الذي يدعى «زياد الرحباني»، وحدها سيدة المقام فيروز لم ترتح، فقط تقبلت الفقد باحترام، وبقليل من الدمع، وكثير من الغناء الذي انحبس في الصدر، والذي أنهكته الأيام والمآسي العائلية والوطنية وثقل السنين التسعين، فيروز غنت زياد في جنازته، وهي «الأم الحزينة»، غنته ليبقى، ولا يذهب وحيداً، وبعيداً، غنته ليعود ولو بنزقه وبوهيميته، وجنونه المتناهي، ولسانه الذي يغضب الكثيرين، ويحرج السيدة الجليلة فيروز كثيراً.. ودائماً، لكنه زياد الذي تعرفه، ليته لم يقرر ولم يستسلم ولم يعجل بالغياب.
زياد وحّد اللبنانيين في جنازته، وهو الذي لم يعرف مقدار الحب الذي كان يزرعه في الناس، وكيف كان يحرضهم على الأمل من عمق الضباب والرماد ودخان الأسلحة من خلف المتاريس، ومن وراء البحث في الصفحة الثانية من البطاقة الوطنية، كان ينثر كلماته وهو يمشي، وهو يمثل، وهو يغني، وهو يعزف، حتى غدت تلك الكلمات يتصبّح بها اللبنانيون مع ركوة القهوة، و«ترويئة» الصباح، كلمات سخرية مُرّة في «نزل السرور»، «لولا فسحة أمل»، «فيلم أميركي طويل»، «بخصوص الكرامة والشعب العنيد».
بدأ حياته شاعراً، وأول ألحانه كانت أغنية «سألوني الناس» حينما كان أبوه عاصي في المستشفى وفي طريق الغياب، بعدها قدم لفيروز كثيراً من أغانيها المشهورة، وأغانيها التي فيها نقلات مفصلية، كان زياد مغامراً في كل شيء، كان يشعر دائماً أنه بلا سقف؛ لذا وصلت إبداعاته إلى أعماق النفس البشرية، ووجد الناس فيها شيئاً كان ينقصهم أو شيئاً كان خافياً عليهم أو شيئاً ذهب زياد بعيداً وعميقاً وجلبه لهم.
كان زياد فوضوياً، عبثياً، بوهيمياً، انتمى للحزب الشيوعي اللبناني، ارتبط بقصة حب مع الصحفية «دلال كرم»، وأنجب منها ولداً اسماه عاصي، لكنه فجر قضية لاحقاً أنكر أبوته لعاصي بعد فحص DNA، ليدخل في أزمة بعد الطلاق قاسى منها ابنه غير البيولوجي وعائلته، ثم ارتبط لاحقاً بالفنانة «كارمن لبس» وبعد سنوات من قصة حب طويلة انفصلا نتيجة فوضوية حياة زياد البعيدة عن الاستقرار، تأثر بوفاة والده، ودخل في حالة خلاف مع والدته فيروز، كذلك تأثر بوفاة شقيقته «ليال»، وإعاقة شقيقه «هالي» الدائمة.
حظي زياد بتقدير واحترام وفهم من النخبة ومن الناس العاديين، كانت آراؤه دائماً محط نقاش واعتراض وتقدير سواء الصحفية أو الأعمال الإذاعية أو المسرحية أو الموسيقية، لم يكن فناناً عادياً، كان استثنائياً في كل شيء، كان يعشق التفرد والتمرد، وكان يحب لبنان والناس؛ لذا خرجت الجماهير من كل البقاع، ومن مختلف الطوائف، متفقة على حب زياد، وغير مصدقة أنها تلوح مودعة جنازة زياد.