يصحو المضيق صباحاً، يتلفّت من حوله ولا يرى سوى كتل القوارب الضئيلة تجوب بحره، وتعمل على القفز فوق الوجه، كلعبة بهلوانية لكهل شاخت عضلاته ولم يبق له سوى سحر الحركات العشوائية ليقول للعالم أنا هنا، وما هو بهنا، وإنما جاهلية تنهض ساعة الإحساس بالعجز، وتعبر عن خوف داخلي من الحقيقة، والحقيقة هي مصارحة النفس، والذود عنها ضد الخبث الأيديولوجي، وأعداء الواقع. ينهض المضيق ويسأل خليجنا العربي، أين تلك الشطآن العامرة بمراكب الود، والإحسان من دون خزعبلات ولا شعوذات تخدش حياء الضمير الإنساني؟. 
أين تلك الأحلام الزاهية لغواص دخل الّلجة مشمولاً باسم الله نبدأ، ثم يهز خيط النجاة ويرتفع إلى ظاهر سفينة البحث عن سؤال الوجود، ويقبل وجه صدفة حملت في أحشائها الدر، فيجيب الخليج العربي ببداهة، وشفوية، ويصرخ في وجه قارعات البؤس، قائلاً: لا يستقيم الحلم الزاهي مع فكرة كجمرة لا تحرق إلا رؤوس أصحابها، ولا تكوي إلا أكباد مَن أشعلوها، وخلفوا للعالم سؤالاً متى تنتهي المهزلة؟، ويعود الذاهبون إلى لعبة (الغميضة) إلى رشدهم، وينتصر العالم الحُر، لقضية هي قضية العالم أجمع، وهي الرئة التي تجد فيها الشعوب رئتها، والعين التي ترى فيها لؤلؤة الرفاهية. 
فيا خليج هذا يوم فيه تتحد الإرادات، وتُبدي العزائم صولتها ويندحر فيه كل أفّاق، لئيم، وتنتهي لعبة الخيط المشدود، والقاتل، معلوم، بيده حد السكين الصدئ، ويظن أنه قطف النجمة، وحصد ثمار النصر، وربما هو نصر، ولكنه نصر على الطيور التي تطير مفزوعة من أثر أناة الجياع، المظلومين، والذين كُممت أفواههم، حتى لا تفصح الحقيقة عن نفسها ولا تسفر رائحة الخبث عن الوجوه العابسة عبوس الشمس حين كسوفها. يا خليج سوف تنهض، وسوف تزول الغيمة، وتنتهي الغمة، بزوال أسباب الشر، ودواعيه. يا خليج وحدك الباقي وعشاقك كثر، وما دامت موجة بيضاء تخفق عند شاطئك الأغر، فإن الزعانف سوف ترفرف، وأعلام الحقيقة ستكون أصنع، وأرفع، وليس سواك إلا حثالة قهوة بائتة، وقشرة بيضة فاسدة. يا خليج، منذ بدئك وأنت تخفق بالحياة، وأجنحة النوارس أشرعة، وما الهدير إلا كحة مريض في آخر الرمق، وأنت.. أنت الفيض، وأنت الجدول في ضمير العشاق، والقصيدة هذه الترنيمة على موجة عشقها القمر، في ليلة سهرت على وجه امرأة انتظرت عودة المسافر، ومسرح الأحلام الفارعة. يا خليج دعنا من اللحظة، فإن لحظات القادم أسعد، لحظات القادم أجمل، ستكون جميلاً، والوجود سوف يبتسم، لموجة عانقت ساعداً أسمر مثل أثمد الصباحات المشبعة بسيل المطر، ورفرفة الغيمة وهي تلامس رموش السماء، وتغني للحياة. فغن يا خليج، غن للحياة، ودع لوعة الموت تخنق سواك.