غادر الواحة وهو شاب يافع، بالكاد كانت لحيته تخنجر وجهه، وشعره الطويل مجدلاً مسدلاً على عارضيه، بلون يمازج بين سواد الليل وحرقة السنابل بعدما ترحّل مع المترحلين بعد مناوشات وخصومات وذم ودم، لكنه كان لا يريد أن يغادر تلك الواحة التي يعرفها أرضاً ونخلاً، وحدها الظروف جعلت من ذلك الرحيل شبه الجماعي والذي لا رجعة فيه جبراً عليه أن يحزم متاعه في «عاروك» وينضم لتلك القافلة التي سلكت دروب الصحراء، بمحزم فيه ثلاث رصاصات عدة تلك البندقية التي ملزم أن لا يستعملها إلا اتقاء حيوان أو مهاجمي الليل، ظلت تلك القافلة برجالها ونسائها وأطفالها تسير لنصف شهر قمري، تهتدي بالنجم في الليل ودلال الأثر في النهار، متوقفة عند بعض الآبار التي يعرفها البدوي بالوصف، حتى استقر بعض من أفراد العائلة في الحساء، والبعض الآخر انتقلوا بحراً إلى البر الآخر.
كان صعباً أن يروضّ ذلك الشاب الذي ولد محارباً، ولا يعرف أن يكون غير محارب أو حارس لا تغفو له عين إن تطلب الأمر، في تلك البيئة الزراعية الجديدة، والتي لا تختلف كثيراً عن العين، تطلبت منه الحياة أن يمتهن مهناً لم يعرفها، في بادئ الأمر حين طلب منه أن ينسى بندقيته القديمة، جُرحت نفسه للمرة الثانية، لكن الوقت غير الوقت، والناس غير الناس، هطلت بركات السماء، وأينعت عشب الأراضين، وعليه في هذا الوقت الرخو أن يدرب يديه على عمل جديد، فالعطايا لا تجعل من الحياة دوماً مفرحة، وقابلة للستر، خاصة لشخص مثله تعمم بالعزوة والفزعة والاعتزاء بأنه ولد أبيه باكراً.
لكن الحياة القاسية، وذهاب ذاك المجد الذي كان يعتقد أن يصنعه، وحين لا يسمع بين الحين والآخر نداءات له كأنه حامي الحمى، وأنه على الأهبة عند اللزوم وعلى الدوام، جعلته يتنازل كل يوم عن حلم من أحلامه، ومع مضي السنوات الطوال التي كانت في البداية بطيئة مثل الرحى، لكنها كرّت بعدها مثل عجلة عربات النار، بحيث ضاعت الثلاثون سنة في غفلة منه ومن الزمن.
عاد بعدها لأم السبع بلادين بعد التسويات والعفو وأجواء المسامحات، وحب الخشوم، لكنه حين عاد، وإن كان فرحاً، لكنه ليس مثلما خرج مع تلك القافلة السيّارة في جوف الصحراء في سنوات الرماد، عاد «ناقضاً» العمامة، مسدلاً غترة بيضاء خفيفة مثل مطوفي الحجيج، والكندورة العربية أنسته إياها السنون الطوال، واللحية شبه المخنجرة صارت كثة ومنسدلة على الصدر مثل أي مطوع يدرس الأولاد القرآن، وحده الوجه ما زال نضراً أبيض مشوباً بالحُمرة، لم تره الشمس في حرقتها لسنوات، عاد راشد هذه المرة مختلفاً، متعلماً، ويجيد مهنة يدوية كانت الصحراء ترفض امتهانها على أبنائها، عاد يقرأ ويكتب، ويبحر في القراءات والتداوي بالأعشاب وبالكلمات، ويبيع الحاجيات، كل الحاجيات.. وحده محزمه وعمامته وبندقيته القديمة رفض أن يبيعها طوال تلك السنوات.