(سلة غذاء العالم الثالثة بعد كندا، وأستراليا)، هذا ما قرأناه وحفظناه في المراحل الثانوية، وظلّ في الذاكرة، حفظاً واستيعاباً. ولكن مشكلة السودان ليست في الأرض، ولا في الشعب، فالأرض خصبة تسبح على منتج غذائي يكفي العالم العربي ويزيد، أما الشعب، فقد شبَّ على ثقافة الحلم العربي، ونشأ على قواعد الانتماء إلى الوطن، مدرسون جاءوا إلى الإمارات، أعطوا من جهدهم، وفكرهم، وعاشوا بيننا كما عاشت النخلة في صحرائنا النبيلة، ورجال علم وإدارة، وثقافة، مرّوا من هنا من هذه البقعة الرائعة من عالمنا العربي، ولكن الحلم السوداني تُحطِّمه دائماً لعبة الكراسي، وغنائم الفوز بقدرات الشعب المسكين، الحلم السوداني تُكسِّر مجاديفه الأجندات الملغّمة بالسَّرد الكاذب، واللغو على حساب الحقائق التاريخية.
ما الذي ينقص السودان كي يصبح واحة غنّاء تنعم بالخيرات التي تجري تحت أقدام الذين يبحثون عنها ولا يجدونها. الذي ينقص السودان قيادة مؤمنة بحق الإنسان السوداني في أن يعيش، من دون قرقعة البنادق الصدئة، والطائرات المسيرة المجنونة التي تعرف مكان الخيام القماشية فتغير على رؤوس العراة، وتحطم أمل النوم من دون بكاء أطفال جياع حرمهم الجشع إلى السُّلطة المتوهمة من لقمة العيش.
سُلطة حاكمة جاءت على خلفية انتزاع السُّلطة من حاكم جائر، فإذا بها وبين عشية وضحاها تصبح نسخة طبق الأصل مما سبقها، وللأسف عندما تعجز الحيلة لدى هذه السلطة، ويتقاعد العقل عن أداء الأكاذيب التي تغذي المطامع، تبدأ العيون تبحلق في الفضاء الخارجي، وخارج الحدود، لإيجاد الذرائع والمبررات لاستمرار الجشع، ومواصلة البغي والطغيان، واستكمال تحطيم الإنسان السوداني المغلوب على أمره، والذي أصبح اليوم وقوداً لصراع عبثي، لم يمنح الإنسان السوداني سوى الإحساس بالفراغ الوجودي، وانعدام المعنى.
فما الفرق بين العيش في العراء، وغابة تؤمُّها الضواري، وبين خيمة من قماش، تصير مراوح يدوية عندما تهبُّ على ظهرها الرياح العاتية.
نقول إن ما يحدث في السودان أمر جلل، وعلى الضمير العالمي أن يتحرك بسرعة ممكنة، ليوقف النزيف، ويضع حداً للتهور، وغياب المشاعر الإنسانية.
نعم نحتاج اليوم أكثر من أي يوم مضى، إلى قرار أممي حازم، وحاسم، وجازم، يقول للعتاة توقفوا عن العبث، فالسودان قطعة من كوكبنا، ولا شأن للمجانين به. فهذه أمنية، نضعها بين أيدي المخلصين في هذا العالم، وعشاق السلام، عشاق الإنسان في أي مكان، نتمنى أن تشرق الشمس على السودان، وأطفالها يصبحون على حافلة مدرسية تقلهم إلى مدارسهم، التي تعلمهم كيف يحبون السودان، وكيف يحفظونه، تلاميذ يحتفلون بالشمس وهي تُشرق على سودان ينعم بالسلام والوئام، سودان ظله جذع شجرة مثمرة، لا دبابة تتربص بالحياة، وتخون مستقبل السودان.


