في مشهد ترك دلالاتٍ غيرَ عادية في نفسي من فيلم «الست»، الذي يُعرَض حالياً على شاشات السينما العربية، تظهر فيه السيدة أمّ كلثوم وهي غاضبة جداً من أحد العازفين لأنه يعتمد على النّوتة في عزفه لمقطوعته، فتقوم بقطعها وهي تصرخ: «مليون مرة قلت لكم.. لا تعزفوا عبر النوتة.. اللحن ما بيطلعش محسوس»! ولأتأكدَ من هذه المعلومة وأن الفيلم قائم على الكثير من الحقائق كما ذكر صانعوه في بدايته، عدتُ إلى تسجيلات حفلات قديمة، لأجد أنه بالفعل لا توجد لوحات قراءة أمام كل العازفين خلفها، ألهذه الدرجة كانت صارمة في ذلك؟ 
استوقفتني تلك اللفتة كثيراً، ومدى التزام العازفين بها في حفلاتها رغم طولها، ألهذه الدرجة هناك اختلاف بين عزف يُستدعى من الذاكرة والإحساس، وآخر يعتمد على قراءة وسيط كورق النّوتة؟  
نعلم أغلبنا أهمية هذه الورقة لأي عازف، فهي وسيط مهمّ لكي يُنفّذ كل نغمة من حيث الإيقاع والمدة ووقت البدء كما يريدها الملحن. غير أن ما سبق هو وسيط مؤقت للفهم والتنظيم، ومرحلة في طريق الإتقان، لا سُلطة نهائية تقيّد الإحساس، لذلك كانت أمّ كلثوم لا تدافع عن طريقتها في عدم وجود نوت موسيقى أمام العازفين، كشكل ومظهر عام ضروري لصورتها كفنانة فريدة من نوعها، إنما أستطيع القول إن غضبها لصالح حضور «إحساس الإنسان» داخل القطعة الموسيقية.
لقد كان للستّ سلوك صارم مع العازفين، اعتبره البعض تسلّطاً على «الآلاتية» العازفين معها، في حين أعتبره أنا وبكل أمانة ترجمةً لخوفها الحقيقي على «جوهر الفن» كإبداع إنساني صرف، ولكن ألا يكفي أن يعزف الإنسان على الآلة لكي يتحقق الإبداع الإنساني الصرف؟ الحقيقة أن العازف لا يقدّم في العملية الموسيقية إضافة نوعيّة لمقطوعته، إلا إذا ارتجل وتصرّف حسب ما يمليه عليه إحساسه وقت العزف بما لا ينشزّ عن اللحن، بعد أن يكون قد أتقن نوتته! 
وحسب أمّ كلثوم، فالنّوتة بالنسبة لها تُشكِّل معرفة يجب إتقانها، ولكنها ليست سُلطة مُطلقة على العازف الذي يجب أن يولد عزفه من ذاكرته وإحساسه، ومن خبرته وذائقته، ولكن هل يحدث الإبداع حتى لو شابَ ذلك بعض من القصور؟ 
يُعد الخلل أو النقص الوارد من ذلك التصرف جزءاً أصيلاً في العلمية الإبداعية، لأنه ناتج من لحظة إنسانية مشحونة بالقلق والترقّب والرهبة، إنها العناصر التي تمنح الناتج الإبداعي، سواء عزفاً أو غناءً، روحاً، وتجعله حدثاً.. لا نسخةً متكررة.
تُقدم لنا «الست» درساً قادماً من زمن بعيد، لكنه ما زال صالحاً للتأمل اليوم: إن الخطأ الذي يولد من إحساس حيّ.. قد يكون أصدق وأقرب للروح من صواب كامل ينتج من ورقة صامتة.. أو آلة!