في الشارقة، لا يمرّ التراث بوصفه ذكرى عابرة، بل يعيش بوصفه فعلاً يومياً نابضاً بالحياة. فعلى مدار العام، تتوهج الإمارة بفعاليات ومبادرات تُعلي من شأن الإنسان والأرض، وتحظى بدعم ومتابعة حثيثة من سلطان القلوب والثقافة، صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى، حاكم الشارقة، الذي جعل من الثقافة ركيزة أساسية في مشروع الشارقة الحضاري.
ومن قلب الحيّ التراثي، انطلقت فعاليات الدورة الثالثة والعشرين من «أيام الشارقة التراثية»، التي افتتحها سموه وينظمها معهد الشارقة للتراث تحت شعار «وهج الأصالة»، وتستمر حتى الخامس عشر من فبراير. مشهد المكان يفيض بالحياة، زوار من مواطنين ومقيمين وسياح، اجتمعوا حول الفنون الإماراتية الأصيلة، بما تحمله من ثراء وتنوع يعكسان عمق الارتباط بالهوية الوطنية.
تأتي هذه الدورة بمشاركة 27 دولة، وأكثر من 265 حرفياً يقدمون 40 حرفة تقليدية، إلى جانب 20 لوناً من الأهازيج الشعبية، و41 فرقة عربية ودولية.
ويبرز جناح البرتغال، ضيف شرف هذه الدورة، بعنوان «حوارات بين الذاكرة والمستقبل»، حيث يقدم زخارف ولوحات فنية تتناول تطور الفنون البرتغالية، إضافة إلى منصة للفنون الشعبية. مشاركة تؤكد روح الانفتاح الثقافي والتلاقي الحضاري التي تميز أيام الشارقة التراثية.
وتكتسب هذه المشاركة دلالة خاصة، إذ تأتي عقب زيارة ناجحة لصاحب السمو حاكم الشارقة إلى لشبونة، مُنح خلالها القلادة الكبرى لوسام «كامويش»، أرفع وسام ثقافي في البرتغال، ليكون أول شخصية عربية تناله، تقديراً لدوره العالمي في الثقافة والحوار الحضاري.
هذا العام، تمتد أيام الشارقة التراثية إلى سبع مدن ومناطق، في حضور جغرافي يعكس شمولية الحدث وعمقه المجتمعي. ومع الشكر والتقدير للمنظمين، يبقى اقتراح تبنّي مبادرة نقل الجمهور بالحافلات وفق نظام «صف وتنقل» خطوة جديرة بالدراسة، تسهيلاً على الزوار الذين أثبتوا شغفهم وإقبالهم الكبير على هذا العرس الثقافي المتجدد.
يسجَّل لأيام الشارقة التراثية قدرتها اللافتة على الجمع بين المتعة والمعرفة، إذ لا تكتفي بعرض الموروث الشعبي بوصفه مشهداً جمالياً، بل تقدمه في سياق تعليمي وتفاعلي يقرّب الأجيال الجديدة من تفاصيل حياة الآباء والأجداد.
كما تؤكد هذه التظاهرة الثقافية أن صون التراث لا يتحقق بالحفظ فقط، بل بالاحتفاء والتجديد والانفتاح على الآخر. فالشارقة، وهي تفتح أبوابها لثقافات العالم، تقدم نموذجاً حضارياً راقياً يؤمن بأن الهوية القوية هي تلك الواثقة بنفسها، القادرة على الحوار والتلاقي. ومن هنا، تواصل الإمارة ترسيخ مكانتها عاصمةً دائمة للثقافة والتراث الإنساني، ومختبراً حياً تتلاقى فيه الذاكرة بالمستقبل، في وهج لا يخبو من الأصالة.