التراث كلمة تحمل في طياتها مشاعر إنسان، فكر في المدى ونظر إلى السماء كيف هي واسعة، فسار على الأرض يتبع خطوات الشمس، ويرسم ظله على الأرض، ثم ينظر إلى وجهه في البئر التي أدلى فيها بدلوه، فقال هذا أنا، هذا وجهي الذي هو هويتي، ومن هنا، من هذه البصيرة الحية، من ورطة ألذّ من الشّهد، انتقل الإنسان الخيالي على صهوة فكرة جلية، إلى ذاك الحلم الذي ارتبط بالأرض والسماء، كسقف، وسجادة مخملية، هنا توقّد القلب وصار جمرة عندما شعر الإنسان بأن كل ما يفعله الجميل جميل، ولكن لابدّ لهذا الجمال أن يكرّس في الواقع مثل سبورة تزخر بعناوين جغرافيا امتدت من السلع حتى شعم، وفكر يرسخ هذا الشغف على تراب وطن عرفه يمتدّ من مقلة امرأة غافية على بسط الأمل إلى شريان رجل تحلّت أخلاقه بصبر البحر، ورونق النورس، وحصافة الغيمة.
هنا صار للتراث وعي بالتراث، وصار الوعي شارعاً ممهّداً بأرصفة من جمال الخلق والإبداع، صار الإبداع مخيلة صحراء رمت بشرر إلى يد تمتد لقطع شجرة، أو عين تزوغ عن مبهرات الرمال الذهبية، هنا نقرأ في التراث أنه يحمل على أكتافه هوية وطن وروح إنسان، وفيض حب يملأ السهول والوديان، هنا نكتشف ذاتنا، وهنا نعمل على التداخل مع الواقع مثلما تتداخل الأنهار مع البحار لتخيط معطف السحابة، وتثقب وضح النهار بظل ظليل.
الإمارات الحديثة تُقدِّر قديمها وتُجِلِّه، وتجعله سقف خيمتها وهي ذاهبة إلى الرقي، الإمارات جميلة وتُقدِّس في التراث جماليته وأصالته التي توحي إليه بأن هنا على هذه الأرض مشت أقدام وحركت فلذات الصحراء، ولم تُغلق باباً ولا نافذة على الهواء الصافي، الإمارات والتراث جناحا طائر يهوى المُضي قُدُماً نحو غايات الحب، ونوايا الالتحام الفطري بين الماضي والحاضر، وقيادتنا الرشيدة وكل مَنْ بيده تفاحة الحب، لا يتركون مناسبة إلا ويكونون في قلب المشهد، ولا يَدَعون فرصة إلا ويشجعون ويدفعون الإرادات لكي تسير ثابتة الخُطى نحو تواصل حقيقي وأصيل مع التراث، ولأنه هويتنا، ولأنه حامل قيمنا.
شيء في الخاطر يبدو مثل ثمرة تين عند غصن أمين، يرتع في تاريخ العلاقة بين الماضي والحاضر والمستقبل في لُبِّ المرحلتين، يبدو باسقاً مثل شجرة رعاها زايد الخير، وها هم أبناؤه الكرام يسيرون على نفس النهج ونفس الطريق، شغوفين بما جادت به قريحة الإماراتي القديم، كما هم فخورون بما ينتمي إليه الإماراتي الجديد، ففي كلا الوجهين نحن نرى أنفسنا في المرآة وجهاً واحداً، وقلباً واحداً، وروحاً واحدة، ولأن الحياة لا تحتمل الوجوه، الأكثر من وجه لأنها تنظر إلى الإنسان بوجه الحقيقة والحقيقة واحدة.


