شفيفاً هادئاً كنت تهطل أيها المطر، لا عصف يجيء بك إلينا، ولا طوفان يزعزع ثباتنا. كأنك عزفٌ لترنيمة السحب.
كم نحن كنا في انتظارك. الجذر عطشان والغصن صوّحُه اليباس، وقلوبنا أسرى يطوّحها التمني، ويطوّقها على غير ما تهوى الجفاف. وعد الشتاء قلنا فأخلفت. وعد المواسم ربما فخذلت موسمنا. عندما كنا صغاراً في رهافتنا نزق الطفولة حين تهطل. هرج أقدامنا عند الهطول، وفرحة على وقع الرذاذ. عزف على سقوف الدار وقعك كان. ونحن من رهبة يعصى علينا النوم وإن استرقنا غفوة أيقظتنا بطرقك الرتيب. كنا نخاتل الطاعة، ونقترف العصيان كي نحتفي باللعب في ضحالة الغدران.
كم مرة نقشنا هطولك على دفاترنا، وجمعنا قطراتك من ثقوب السقوف وخيانة الجدران. كان لوقع قطراتك على الأواني عزف منفرد رتيب يقض غفو طفولتنا ويطارد الأحلام.
حينها كانت بدائية منازلنا إذ ترشح الماء ويثقبها المطر الطفيف. وبدائية شوارعنا إذ تجمع الماء أنهاراً وغدراناً ويغرق خطونا فيها رذاذ الهطول. وإن جئتنا اليوم سنحتفي بك كما كنا صغاراً، ونغرق في شبر مائك كما كنا صغاراً. لكننا اليوم رغم فخامة منازلنا وإسمنتها العازل وشوارعنا في سمتها المعجون بالإسفلت سنرقبك من وراء الزجاج.
ونرقب الغصن مبتهجاً. والأوراق في التماعها، والجذر يشربك في لهفة الظمآن. فلا عصفا تجيء إلينا ولا طوفان يجرفنا. كأنك الرأفة تحنو على قيظنا، أو أنك الرحمة ترفو سرائرنا، أو أنك الماء الذي من سره جئنا. كمائنا نصبناها لك كي نجمعك لمواسم الجفاف، لأنك الزلال في لظى شفاهنا. وحرثنا لك الطين ونثرنا البذار. لكن الرياح لعب الطبيعة إذ تنأى بك حينا، وحينا تطوح بالسحب إذا جاء الشتاء. ظمآنة قلوبنا إلى غيث لنخصب الحب والورد. لا ريح تسير بنا ولا مطر يخاتلنا. ولا نحن الجفاف في رغائبنا. لكننا سنهمس: ربما تأتي الرياح بما لا تشتهي السحب. فأهطل غزيراً أيها المطر، أهطل على رأسي، على روحي، على حلمي. أهطل على قلوبنا الجفاء. على وحشتنا التي تئن في المساء، على صباحنا الذي يتوق للضياء. أهطل غزيراً حانياً لأننا نتوق أن نكون كالهطول في العطاء. يا مطر انتظاري، لقد عبرَ السحاب. كأنني عبرت أزمنة الطفولة، ومر كأطياف الغيوم الشباب. يقودني بخطى وئيدة إلى المشيب وإلى الغياب.. عَبرَ السحاب!!


