كانت في العيون رمشاً يهذّب المعنى، ويُرخي الجمال عناقيد رُطب سخية، وكانت في الحياة جدول عطاء يثري وجدان الناس بالفرح والنماء. واليوم وقد وصلت الإمارات إلى قمة الشجرة الراعية لهموم الناس، وطموحاتهم، تقف عند الجذع المهيب، وتقول: هاتِ غصنك، وهاتِ التاريخ جذوراً من هوى، ونوى سكنت الأفئدة، واستولت على مفاصل الحكاية، هاتِ، وهات، فها هو الوجود يتطلع لنخلة باتت في الدُّنى ديدناً، وشجناً، وصارت في الحياة، أغنية ولحناً، فاليوم الإمارات تمضي مشغولة بالعمل والبناء، منسكبة في المدى، تبغي السعفة القديمة، الجديدة وتبغي الرواق، رواق المنطقة الخضراء بين جذع وجذع والطير ثالثهما، الطير يرفع النشيد فرحاً، ويفرع الأجنحة رياناً بالندى، والخفق توق باتجاه رايات ما أنزلت رفرفتها، وما واربت الأبواب، حيث الأفق الوسيع يصفّق بترحاب، يصفق لأجل عُرس جديد، تزفّ عرسانه الإمارات، أولئك الذين تركوا في المخيلة لون الابتسامة الشفيفة، ورائحة عطر النخيل، تفيض من عباءة ومعصم، والنهار لم يَزلْ في أوّله، والعيون مشتاقة لحوض ملأ القلوب نداوة وحلاوة، وأشياء من عبق الزمان الجميل، تطرق أبواب الذاكرة.
نخلة وقفت عند شغاف القلب، تهتف بالحب مآلاً، والدرب يتسع لخطوات أبعد من شرق الأرض وغربها، خطوات هامات بزغت كالفجر، وما انطفأ لها نور، وما خبّأ سرور، خطوات تستدل على علامات خطوات، وخطوات تتبع خطوات الزمان، بوثبات كأنها الغزلان تطرق رمال الصحراء.
ما أجمل الصبح وعلى كتفيه تحطُّ حمامة، وبين الضلوع يسكن الحلم، والنعيم.. النعيم أن تكون في صلب الأحلام نخلة، لها جذع، وسعفة رمش، هيّض الكون كلما رفرف الجفنان، وحطّت رحلة العمر عن مضارب الُّلقى، وهبّت رياح، وأناخ العاشقون جمالهم عند خفقة، وشهقة، وسارت ركاب، مخضّبة بالوجد مبادئ، مكللة بنجوم على الوجه اللجين تحتفي وتحتفل بنخلة هي الروح، والبوح الجميل، هي الورطة الجميلة هيمنت على الشّوق لحَبّة القلب، ولبّ الحياة.
هي نخلة، هي مُقلة، هي زلزلة في العميق، هي رحلة في الزمان، والزمان نحلة، وخزت فؤاد المعنى ولم تكُف عن العويل في الضمير ولم تخفِ الصهيل وهذا زمان، هذا مكان، وما بينهما إنسان وعد فأوفى وأعطى فأجزل، ولم تزل القافلة ماضية في ضمير الكون ترتّل أيات عطائها، وتنشد من أجل حياة أبهى، وأجمل، ومن إنسان أتم وأكمل. قلت لها ذات صباح مجلّل بعطر الليل، هيا ارتشفي من عرق التراب، ومن ساعد ما ملّ الغناء عند جدول مر على القلب مثل قيثارة تُلحّن أغنية للوجود، مثل منارة ترفع صوت السماء عالياً، قلت لها: غنِّ، وغنِّ، وفي الغناء ثواب مهجة ما ملّت الأمل، ولا ناخ بعيرها.


