مطامع تجثو على ركبتين، وتمضي لاهثةً، تُطيح بها الطموحات، وتخذلها الكرامة، تخذلها القيم الدنيئة، تخذلها الأحلام، والأيام، وأقلام الشرفاء، وأبناء الصحراء، تخذلها فكرة مريضة فتعثر في الطريق، تنكسر مرآتها، جمهورية الأضداد تحثو رمل الفقدان، تحثو غبار الخذلان والعالم يستفتي تاريخاً، يستفتي قلباً، فيقول القلب، هذا البحر عنيد، وعنيد إنسان كان البحر في عينيه كُحلاً، والمرود مجدافاً، خضّ الموجة حتى صار البوح إماراتياً، صار الصّدح خليجياً، صرنا في الأفق شراعاً، صرنا يراعاً، وشعاعاً، وصار الموج صهوات، ونحن الفرسان.
 نحن هدير سواحل ما ملّت من سرد حكاية بحر، كان في البدء نعيماً، وكان، وكان حكايات عن غوّاص ملأ الجعبة غناء، ملأ الفكرة ثراء، ملأ الحلم بياضاً، والموجة من فيض الأحلام، تكتب سيرة إنسان هنا، مرّ، وهنا عبَر، وهناك سارت ركاب الحلم تبحث عن سر الحكمة، في عيني امرأة، قالت في يوم: اذهب يا ولدي، للبحر، فإن البحر محبٌّ، يعشق من يهوى مِلحه، ومَن يكتب خطاب العشق، مختوماً بقبلات، ومن يسكب على ضفافه ابتسامة صبح مشرق، والطير يصفق، للعشاق. والعشاق كُثُر، فمن منا لم يعشق البحر، ولم يكتب على رمله رسالة عشق للمحبوبة، ويكتب عن لهف، ويكتب عن شغف، لأسرار الموجة، في صدر امرأة، قالت في ذات صبح: هاتِ يديك، هات الصفحة الأولى لدفتر أيامك، سأكتب عني، وعنك، رسالة عشق للبحر وأقول هنا ضعنا، وهنا عشقنا، وهنا، سكنت أرواح تبغي الملح شفاءً، وتبغي للجرح دواءً. 
وسكنتُ أنا، سكنتُ عند خاصرة البحر، أتلو بهجة أيامي، وأكتب عن زعنفة مرت خافقة تبغي البحر، تبغي أن تسكب من جُرح الأيام ملح جروحٍ، وصدح لا يخفت نبضه، والنبض نبض البحر، نبض الفجر، حين يكون الفجر أغنية للطير، وأخرى لإنسان تشظّت ملكاته بوحاً، تشظّت أمنية بأن لا يخرج البحر عن البحر، لتمضي سفن الأحلام سالمة من غيٍّ، ومن بطشٍ ومن غدرٍ، ومن كدر. 
لتمضي، فالأيام حبلى بأنهار الحب، الأيام تستدرجنا كي نمضي ولا تتوقف ركاب، ولا يخفت خضاب، ولا حنث يؤجّجها، ولا خبث يدركها، لتمضي، فلا مناص من المُضي ولا مماطلة تعيق، وغدر يحيق. 
فهذا البحر، عنيد، وجسور، هذا البحر سديد، حُر، وإنْ دارت دائرة الغدر، وحاقت، وماجت، وهاجت، وفجرت، وغدرت، وانحدرت، كما اندثرت في غيهب، ونكب، وتلاشت في الدُّنى، كعاد وثمود، والمؤتفكات، وفرعون، فإن البحر عنيد، يعرف أن النفايات ليس لها غير أرصفة التاريخ ومكبّاته، وحُثالات القهوة، مبعثها ونهايتها، قاع، بلا مصراع. هذا البحر عنيد، من نسل الرمل، والصحراء كتابه، هذا البحر مقلة وقبلة، وسنبلة تتبع سنبلة، فلن يخفق، ولن يهرق، ولن تتعرقل خطواته نحو المدى، فالمدى للبحر طريق، يطفئ حريقاً، والمدى شهقة غوّاص، مالت به السفن، وما مال، وما استمال، بل كان في العهد مآلاً، وكان سؤالاً يحمل في جعبة الأيام سؤالاً، والفحوى، لماذا هذا الغَيُّ، لماذا طيُّ الصفحات على بطش، وغش، ونبش في قبور الأموات، كما هي الغربان تنبش في جيف ملاحمها، وكما هي الجرذان تبحث عن شحمة لحمها في غضون، وشجون والبحر ينادي أنا البيدق، أنا متى وضعت الكلمة الصارمة على شفة البوح تعرفوني؟ وهذا الوقت يمرُّ، ويمرُّ، ونحن الأقوى، نحن الأمضى.