وسط التصعيد العسكري المتأجِّج في منطقتنا الخليجية، يجيء حضور الإمارات ونهجها في احتفالات الولايات المتحدة الصديقة بيومها الوطني الـ250 مؤخراً، لافتاً بهياً، ألقاً، يحمل العديد من المعاني والدلالات السامية. ففي عالم السياسة، قد تُكافأ المصالح. وفي عالم الاقتصاد، تُكافأ الأرقام. أما حين يكون التكريم عنوانه الحرية الدينية، والتسامح، وكرامة الإنسان، فإن ما يُكرَّم في الحقيقة ليس دولةً فحسب، بل رؤيةٌ سبقت زمانها، واستثمرت في الإنسان قبل العمران. لا يمكننا النظر إلى اختيار دولة الإمارات لجائزة «وعد المؤسسين» في دورتها الأولى ضمن احتفالات الولايات المتحدة بالذكرى الـ250 لاستقلالها، باعتباره خبراً بروتوكولياً عابراً، وإنما باعتباره شهادة دولية بأن مشروع الإمارات الإنساني بات يتحدث عن نفسه، ويجد صداه في أهم المنابر الدولية. الجوائز الكبرى هي حصاد سنوات من العمل الهادئ، وبناء الثقة، وتحويل المبادئ إلى مؤسسات، والقيم إلى سياسات. وهذا ما فعلته الإمارات حين جعلت من التسامح ثقافة دولة، ومن التعايش أسلوب حياة، ومن احترام التنوع الديني والإنساني ركيزة في مشروعها الحضاري. وفي هذا المشهد يحضر اسم منتدى أبوظبي للسِّلم، الذي جاء تكريمه ممثلاً للجانب الإماراتي، باعتباره أحد أهم المؤسسات الفكرية التي حملت رسالة الدولة إلى العالم بلغة الحوار، لا لغة الصدام، وبمنطق بناء الجسور، لا إقامة الحواجز. فمنذ تأسيسه، كان المنتدى منصّة للنقاش، وورشة عمل دائمة لإحياء القيم الإسلامية الجامعة، وإبراز الوجه الحضاري للإسلام، والدفاع عن حق الإنسان في الأمن والسلام والاختلاف. ولعل استحضار «إعلان مراكش» في هذا السياق لم يكن تفصيلاً عابراً، فهو أحد الإنجازات الفكرية التي أسهم المنتدى في بلورتها مع شركائه، ليقدم للعالم وثيقة تستلهم صحيفة المدينة، وتُعيد التأكيد أن الإسلام، في جوهره، دين مواطنة وعدل وتعايش، لا دين إقصاء أو كراهية. لقد جاء التكريم مشتركاً مع المملكة المغربية الشقيقة، في رسالة بليغة تؤكد أن العالم لم يَعُد ينظر إلى المنطقة من زاوية أزماتها فقط، وإنما أصبح يرى فيها نماذج مضيئة قادرة على إنتاج مبادرات إنسانية مؤثِّرة، وصياغة خطاب ديني رشيد، وبناء شراكات تخدم السِّلم العالمي. الإمارات تحصد اليوم ثمار مشروع وطني متكامل، آمن بأن القوة الناعمة لا تُشترى، وإنما تُبنى، وأن المكانة الدولية ليست لقباً يُمنح، بل رصيدٌ من المبادرات والمواقف والثقة. وحين يأتي التكريم من الخارج، فإنه لا يضيف إلى الإمارات قيمة بقدر ما يؤكد أن العالم بات يقرأ تجربتها كما هي، تجربة صنعت من السلام سياسة، ومن التسامح هوية، ومن الإنسان عنواناً لكل إنجاز. حفظ الله الإمارات وأدام عزّها في ظل بوخالد.

