صيت جميل لقصر مدريد، المنفرد على مر السنين بإطلالته، ومازال ينبض بتاريخ عريق، حافلة آثاره بأنفاس روحانية جميلة وسائدة، ومجسّدات فخرٍ واعتزاز، بين هامات عظام وقنوات اتصال بين الأمم، خالصة متعقبة بجاذبية فكرية ومفاصل الثقافة الإسبانية، وهي تحتفي بالحياة وتتجسّد بعمق التاريخ الحضاري.
قصر مدريد الملكي، يزخرف بجدران منعمة ومذهبة، متمثل بتماثيل فنية قديمة ومطرزة، وبسجاد من فسيفساء راقية ومخملية نادرة ورغم احتراق القصر عام 1444م فإنه أعيد بناؤه وترميمه بأجمل ما يكون، حتى أصبح ملهماً للأجيال يحمل آثاراً، تظل مهداً لعشاق الحياة، وانتماء للذاكرة، وهي ترسم وقار السنين، ورقي الخلود وداعمة للعبقرية الصامتة.
تتلمس في كل خطوة، من المتحف الباهر بكيانه المنفرد، بحقب زمنية دالة، على أثاث فخم يجسر بين الأفكار ويتأصل تأصلاً فاخراً، وما تلبث أن تصل إلى متحف آخر، يتناغم والحياة العصرية، مشاهد متصلة بتاريخ المعاصر، وفي فنائه تضيء اللغة العربية بحروفها، محتفى بها وبذاكرتها الشعرية والأدبية، لوحات من القصائد ومن الحروف العربية، هي ضياء متوهّج، ومن آثار صناعات متوجة دالة على الحقب الإسلامية.
مدهشة حديقة القصر الغنَّاء بأشجارها ومسطحاتها الخضراء التي تُدهش الزائر، وتضعه في حوار دائم مع الحياة الزمنية المتوهجة كتاجٍ ملكي ووهجه المتشكّل بتاريخ لا يُقدر بثمن، ويحيل الزائر إلى وهج فكري وعظمة، تخلّد الحياة التاريخية بدقة وروعة متناهية.
هكذا يُرسم الجمال الأسطوري بهندسة، غاية منها صفاء الذهن، وبغابة من طراز فريد، ويُعد الممشى بالحديقة المترامية الأطراف بمناخ لها فريد، وتلك النوافير الشاهقة وأشجارها العملاقة وظلالها الوارفة، وأصوات طيورها المتناغمة وزهورها المتعانقة، فيكمن فيها السحر والهدوء بعيداً عن صخب الوجود من حولها، حديقة تنتزع، من صمتها وصالاً بمدينة مدريد، التي تبدأ صباحها عادة في هدوء كأن لو أوقعت إبرة لسمعت دندنتها.
يتدرج صخب المدينة وخلوها من الناس شيئاً فشيئاً يعرج بها الضجيج نحو لغة تدندن موسيقى ناعمة، في روح لغتها الإسبانية العريقة متسلسلة حروفها، تولد من موسيقى راقصة تماماً كرقصة الفلامنجو المشهورة، المدينة تعيد كتابة حروفها من الشعر وهيامها الفكري متيّمة بفنونها القديمة المعتقة برائحة الورد وعطر الطبيعة، هنا تكمن مجرة الحبر وفنون الرؤية الخالدة في عالمها الأسمى.
فمن فنون وتاريخ قديم وحضارة مفعمة بإشراقتها، تحضر إسبانيا في ملامح الجمال وتحضر أكلاتها المميزة المفضلة، وكأن الحياة هنا تستقصي كل شيء بدقة متناهية من عادات وتقاليد ووهج من ولهٍ عُذري ينتاب شوارع مدريد، اختلاجات توحي بزمن معاصر يتجدد ويولد من جديد بهمس من الصمت ومعزوفة يكتمل فيها عبق السنوات وتزدهر بشوق.


