في خِضمِّ سباق الذكاء الاصطناعي الذي يشهده العالم، التفوق ليس لمن يمتلك أحدث التقنيات، ولكن لمن يستطيع أن يصنع بها إنساناً أكثر قدرة على الإنجاز. ومن هذه الزاوية، تبدو مبادرة حكومة أبوظبي بإطلاق برنامج «الموظف الرائد» محطة فارقة، لأنها تضع الموظف في قلب مشروع التحول، لا على هامشه. ومن هنا تأتي أهمية إعلانها إطلاق منصة «مايكروسوفت 365 كوبايلوت» في القطاع الحكومي في أبوظبي، بما يزوّد عشرات الآلاف من الموظفين الحكوميين بإمكانات الذكاء الاصطناعي التوليدي ضمن أدواتهم اليومية، في وقت تمضي فيه الإمارة نحو تحقيق طموحها بأن تصبح أول حكومة قائمة على الذكاء الاصطناعي في العالم بحلول عام 2027.
الأمر لا يقتصر على توفير أدوات ذكاء اصطناعي لآلاف الموظفين الحكوميين، وإنما بناء بيئة عمل جديدة يصبح فيها الذكاء الاصطناعي شريكاً يومياً في التفكير، وتحليل البيانات، وصياغة الحلول، وتسريع اتخاذ القرار. وهذا هو التحول الحقيقي الذي تصنعه الحكومات عندما تنتقل من رقمنة الإجراءات إلى إعادة تصميم طريقة العمل نفسها.
وتقود دائرة التمكين الحكومي في أبوظبي هذا المسار برؤية سامية لقيادتنا الرشيدة لا تنظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره مشروعاً تقنياً، بل مشروعاً مؤسّسياً متكاملاً، يبدأ من البنية الرقمية والسيادة على البيانات، ويمرُّ بالتدريب والحوكمة والأمن السيبراني، وينتهي بخدمات حكومية أكثر كفاءة واستجابة. فنجاح أي تحوُّل رقمي لا يُقاس بعدد التطبيقات والمنصات، بل بقدرة المؤسسات على توظيفها بصورة آمنة ومستدامة.
ولعل خير دليل على هذا التكامل ما تشهده منصة «تم»، التي أصبحت نموذجاً عملياً لتسخير تقنيات الذكاء الاصطناعي في تقديم أكثر من ألف خدمة عبر نافذة واحدة، بما يختصر الوقت والجهد، ويجعل تجربة المتعامل أكثر سهولة وسلاسة. فالغاية ليست إدخال التكنولوجيا إلى المؤسسات، وإنما إدخالها إلى حياة الناس من خلال خدمات أسرع وأذكى وأكثر دقة.
أبوظبي لا تكتفي بتطوير أدوات العمل الحالية، بل تؤسِّس لمرحلة جديدة تقوم على الوكلاء الرقميين وأتمتة المهام الروتينية، بحيث يتفرغ الموظف لما هو أكثر قيمة، التفكير، والابتكار، واتخاذ القرار، وصناعة السياسات. وهنا تتجلى الفلسفة الحقيقية للمبادرة: الذكاء الاصطناعي لا يأتي ليحل محل الإنسان، بل ليمنحه فرصة أكبر ليكون أكثر إبداعاً وتأثيراً.
«الموظف الرائد» ليس مجرد اسم لبرنامج حكومي، وإنما عنوان لرؤية تنموية تدرك أن مستقبل الحكومات لا يبدأ من الخوارزميات، بل من الإنسان القادر على توظيفها بحكمة. وحين يصبح الموظف الاستثمار الأول، يكون المستقبل أقرب مما نتصور.


