مرة.. ما أن وصلنا مطار «أربيل» حتى تلقتنا، وتلقفتنا سيارات مصفحة ذات الدفع الرباعي، سوداء اللون، مظلمة الزجاج، كسيارات شبحية غادية لتشييع أحد أحفاد «داركولا» الكبير لتابوته الأبدي، وسائقنا الذي لم ننتقه، وظهر لنا في طالع اليوم، كان من الذين يحلقون على «الزيرو» من دون داعي أسباب، ويرتدي بدلة تكاد أن تتفسخ من ضيقها على جثته، فلا تعرف أضيق من البدلة، أم أن للجثة هذا الكم الهائل من الاكتناز؟، ويضع سماعة ملتوية خلف أذنه، ويتكلم من كم قميصه همساً إن احتاج أن يكلم أحداً، ودائماً عيناه لا تستقران على موضع أو شخص بعينه، فالجميع يرتاب فيهم، ولا أعتقد أن يكون خالياً من سلاح منغرس بين الجثة والحزام الجلدي السميك أو منحشر عند سلسلة ظهره، تماماً مثلما يظهر في الأفلام الأميركية، كان ناقص فقط أن «يهبّونا بضبعنا» حين نهم بالركوب في السيارة، مثل الأفلام ويسمعونا الجملة الشهيرة دليل الاستعجال، ونفاد الوقت «go..go..gooooo»!
ولأنه موكب تتابع فيه السيارات الأميركية السوداء، تولانا نحن الراكبين في وسط سلسلة من رتل السيارات المارقة، واحد من أولئك السائقين الأبطال الكورد، وظل يجلد السيارة بسرعة عالية، ولا يترك مسافة قبل الحسافة بينه وبين السيارة التي تليه، وكذلك يفعل السائق الذي خلفنا، ولأنها طريق صعود وجبلية ومتعرجة من التي تعرف بها جبال كردستان، فقد بدأنا نتطالع بالعيون نحن الوفد الرسمي ببشوتنا، ثم كانت همهمة بيننا، ثم تجرأنا وسألنا السائق: لِمَ كل هذه العجلة والسرعة المتهورة؟، وَ«لَجّ» السائق، فأظهر في البداية صمتاً وتجهماً، ثم خلطها بالعربي والإنجليزي، أن السبب يعود للدواعي الأمنية، وأن كل سيارات الموكب لا بد وأن تكون بسرعة عالية ومتساوية، وأي تلكؤ يمكن أن يفسر أمنياً بطريقة خاطئة.
سيارتنا المصفحة تبدو كقطعة حديد واحدة بلا ملامح، طلبنا من صديق لدينا كان دائماً يشكو من لوعة الكبد أن يغمض عينيه، فلا يرى تلك السيارات التي تسابق أخواتها، وصرير عجلاتها عند المنعطفات والأكواع، وذلك التبديل لناقل السرعة العادي، وسائقنا ذو الرأس اليابس، المتشبث بما قاله له المدرب الأميركي في حماية الشخصيات، تعبنا وهلك صاحبنا حتى وصلنا إلى أعلى نقطة في ذلك الجبل، حيث استقبلنا «الملا البرزاني» في مجلسه «البانورامي»، ونزل الثلج ساعتها، فكان مشهداً سينمائياً آخّاذاً، ذكّرني بروايات الأدب الروسي الكلاسيكية، حيث البرد والثلج في الخارج، وكل الدفء في داخل البيت الذي تؤنسه تلك المدفأة الفرحة بطقطقة الخشب في غنائية الحطب والنار، وكانت مائدة عامرة سيدها الكباب والخبز الكردي ولبن أربيل، ساعتها تيقنت أن بعض الأكلات لا بد من تذوقها في مكانها، لأنها إنْ خرجت من حدودها، كانت أشبه برفيق سفر ممل، وكثير التذمر، ولا يحتمل السفر معه في المستقبل المنظور، كانت وجبة عامرة بعد أن خضّ أكبادنا ذلك السائق بسيارته المصفحة.. وغداً نكمل.


