في كأس العالم 2026، لم تكن الحكاية العربية بالسّرد الذي تمنيناه ولا بالخواتيم التي حلمنا بها. لم يكن القصيد العربي جميلاً، رغم أن القوافي كانت تتعدد فوق ثمانية منتخبات بلغت أكبر محفل كروي عرفه التاريخ. في النهاية كانت هناك منتخبات كتبت اسمها بحبر الفخر فانشرح لها الصدر، وأخرى كتبت مشاركتها بالحبر السري، فلا أثر بقي، ولا ذكر استحقّ أن يُروى.
المغرب، مرة أخرى، لم يكتفِ بأن يكون حاضراً، بل أصرَّ على أن يكون مؤثّراً. منذ ملحمة قطر 2022، لم يَعُد وصوله إلى الأدوار المتقدمة مفاجأة، بل صار امتداداً لمشروع كروي يعرف إلى أين يسير. بلغ «أسود الأطلس» ربع النهائي، وغادروا أمام فرنسا مرفوعي الرأس، بعدما قدّموا كرة قدم ناضجة، وهوية واضحة، وشخصية لا تتزعزع أمام كبار العالم. لقد تركوا بصمة جديدة تؤكد أن ما تحقق في قطر لم يكن مصادفة، وإنما ثمرة عمل طويل.
ومصر، وإن لم تذهب بعيداً، فقد استعادت شيئاً من هيبتها. كانت تنافس، وتقاتل، وتؤمن بحظوظها حتى آخر الأنفاس، فخرجت أمام بطل العالم شامخة، وقد استعادت احترام الجميع، بعد سنوات من التيه.
أما الأردن، ففي أول ظهور مونديالي له، فقد ربح قبل أن يلعب. ربح التجربة، وربح المستقبل، وربح قلوب مَن رأوا فيه منتخباً لا يخشى المغامرة، حتى وإن كانت الخطوات الأولى دائماً ثقيلة.
لكن، في المقابل، كانت هناك منتخبات جاءت إلى المونديال وكأنها جاءت لتسجيل الحضور فقط. لم تحمل مشروعاً، ولم تقدِّم شخصية، ولم تترك سوى علامات الاستفهام. السعودية لم تستطع أن تستعيد شيئاً من سحر انتصارها التاريخي على الأرجنتين في مونديال قطر، بينما عانى العراق وقطر من محدودية التجربة أمام إيقاع بطولة لا ترحم.
ليس العيب في الخروج، فالمونديال لا يعترف إلا بالأقوياء، ولكن العيب أن تخرج من دون أن يعرف العالم من تكون، أو ماذا تريد، أو أي كرة قدم تُمثِّل أو أي مشروع تحمل.
المونديال ليس امتحاناً للنتائج فقط، بل امتحان للمشاريع. هناك من خسر مباراة وربح احترام العالم، وهناك من خسر كل شيء لأنه لم يحمل معه سوى الأمنيات. ويبقى الدرس الأكبر أن كرة القدم العربية لم تَعُد تُقاس بعدد المقاعد في كأس العالم، وإنما بعدد المنتخبات القادرة على تحويل المشاركة إلى رسالة، والهزيمة إلى بداية، والحلم إلى مشروع.
وإذا كان المغرب قد أكد أن الطريق إلى العالمية يبدأ من التخطيط، فإن بقية المنتخبات العربية مطالبة بأن تتوقف عن صناعة الأعذار، وتبدأ في صناعة المستقبل… لأن العالم لم يَعُد ينتظر أحداً، ومَن لا يترك بصمة، فلن يترك لنفسه سوى الغُمّة.