البحر ثيمة موازية للنخل في حياتي، فقد عشت شطراً من طفولتي مجاوراً الماء والنخل في العين، وشطراً مجاوراً البحر في أبوظبي، وكلاهما لهما البعد التاريخي العميق في وجدان إنسان هذه المنطقة، وكلاهما شكلا فيما بعد روافد من تلقي المعارف الأولى والأساسيات لتلمس الموجودات فيها، وقراءة المكان بمكنوناته، والإنسان المتفرد بحياته بين بُعد اليابسة ومد الماء.
اليوم يتساوى عند ركوب الموج في سفينة مبحرة، لا تحدها المراسي، وظل نخلة لا أحب أن أستيقظ من تلك الغفوة تحتها، لكن البحر آفاقه الرحبة والممتدة بعيداً في مدن الله، وعميقاً حيث أسراره وأساطيره وما يحمل من سردية الحكايات، قد يأخذنا في ساعات تعبنا، ويقول لنا: دونكم وتلك الزرقة، وذاك الفضاء اللامتناهي، ولكم عند الرسو بوابات المدن والحياة، يتحمل زهونا وفرحنا، ويزيد عليه شيئاً من لونه الأزرق، وكثيراً ما يجلب لنا الموج قصصاً ومرويات، مثلما يأتي بالرزق وأناس قد يكونون جزءاً من المكان، وأصدقاء للروح، وربما غرباء سيصبحون فيما بعد من الأصدقاء.
البحر والنخل هما مفردتان مترادفتان في حضورهما الإبداعي عندي، فقد ظهرا في الكتابة الإبداعية القصصية أولاً «عندما تُدفن النخل»، و«ما تركه البحر لليابسة»، وظهرا في الأعمال السينمائية ثانياً «في سيرة الماء والنخل والأهل».
أحياناً يصعب عليّ التفريق بينهما، فلكل منهما نصيب من التعاطي والبث والبوح، ولكل منهما أسراره وما يمكن أن يلقن الروح، ويجعل النفس مطمئنة في سيرتها صوب الخير والحق والجمال.
اليوم.. لا شيء يفرح القلب مثل رؤية النخيل في بلادي، ورؤية البحر وهو يحاور ويجاور تلك المدينة التي كبرت سريعاً، دار الظبي الجميل، لكنها تركت للبحر مساحاته، وتزينت بالنخيل في مساحاتها.
فضل البحر في همسه بالأعمال الإبداعية لا ينتهي، فقد كان قديماً سارداً لحكايات الغوص وتعب الأهل وأسفارهم البعيدة، وحديثاً يحضر مناجياً وقاصاً ومرشداً حين تتزلزل الثوابت، وحين تهتز القيم الإنسانية، النخل والبحر شريكان لإنسان هذا المكان في القلب والقالب، ويكادان أن يتماهيا في اللون الأخضر والأزرق، سر الحياة، وسر الماء.
البحر يذكرني بأصوات النهاميين الآتية من وجع جرح الملح، وتعب المسافات وصبر الليالي العطشى، يذكرني بتلك الأرواح التي استقرت في قاعه بذاك الثقل الحديدي أو الصخري أو التهمتها أسماكه وطيوره كجثة طافية على السطح، يذكرني بفرحة العائدين من رحلات الغوص والسفر البعيد، ولحظة اللقاء بالأهل وروائح الزعفران والطيب والشوق، يذكرني بوجوه جميلة كان البحر ينعكس على خدها الصقيل، ويلاعب شعرها المتدثر بشيل السواد، البحر يذكرني دوماً أن هناك أبواباً ونوافذ مشرعة للمغامرة ولا تحدها جدران ولا أسقف، غير تلك السماء الزرقاء التي تساير موجه اللامنتهي.. وغداً نكمل عما صاغه النخل في النفس كمؤنس لمنازل السعف والطين.