بعض التواريخ ليست مجرد أرقام على صفحات التقويم، وإنما علامات مضيئة في ذاكرة الأمم. والسادس من أغسطس واحد من تلك الأيام، التي غيّرت مسار تاريخ هذا الوطن الغالي، حين تولى الوالد المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، مقاليد الحكم في أبوظبي عام 1966، لتبدأ رحلة قائد رأى المستقبل بعين الحكمة، وصنعه بإرادة لا تعرف المستحيل.
لم يكن زايد يبني مدينة، بل كان يبني وطناً؛ ولم ينظر إلى الحاضر وحده، بل كان يزرع للأجيال القادمة أسباب الحياة والكرامة والازدهار. أدرك، منذ البدايات، أن الثروة الحقيقية ليست فيما تختزنه الأرض، وإنما فيما يحمله الإنسان من علم وعطاء وانتماء، فجعل الإنسان محور التنمية، والوطن غاية كل جهد، والاتحاد الحلم الذي أصبح واقعاً.
ومن تلك الرؤية الاستثنائية، وُلد الاتحاد، لتبدأ قصة دولة أصبحت اليوم أنموذجاً عالمياً في التنمية والاستقرار والتسامح، ودليلاً على أن الأحلام الكبيرة تتحوّل إلى واقع عندما يقودها رجال كبار.
لم تكن كلمات صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، في هذه الذكرى، مجرد استذكار لمحطة تاريخية، بل تجديداً للعهد بأن تبقى الإمارات سائرة على نهج المؤسس، تستلهم رؤيته، وتواصل مسيرته جيلاً بعد جيل. فالنهج الذي صنع البداية هو ذاته الذي يصنع المستقبل.
وكذلك جاءت كلمات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، حين وصف زايد بأنه لم يكن قائداً فقط، بل «فكرة عظيمة»، لتلخص سر خلود شخصيته في وجدان الإماراتيين. فالقادة قد يبنون مؤسسات، أما القادة الاستثنائيون فيبنون الإنسان، ويغرسون في النفوس معنى الوطن قبل أن يشيدوا العمران.
ويكتمل هذا المشهد بما أكده سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الدولة، نائب رئيس مجلس الوزراء، رئيس ديوان الرئاسة، بأن إرث زايد ليس ذكرى تُروى، وإنما منظومة قيم مازالت تقود مسيرة الإمارات، وتمنحها القدرة على مواصلة الإنجاز بثقة وثبات.
رحل زايد عن الدنيا، لكنه لم يغِب عن الوطن؛ فحضوره يتجدّد في كل مدرسة، ومستشفى، وطريق، وشجرة، وكل إنجاز يرفع اسم الإمارات بين الأمم؛ يتجدد في قيادة جعلت الوفاء للمؤسس عملاً ومسؤولية.
الوفاء لزايد يتجسّد بالتمسك بقيمه، والإخلاص للوطن، والعمل بإتقان، وصون الاتحاد الذي أفنى عمره من أجله. وهو عهد يتجدد في قلوب أبناء الإمارات، جيلاً بعد جيل، والإرث الذي تزيده الأيام رسوخاً وحضوراً.