بينما نتحدث كثيراً عن قدرة الذكاء الاصطناعي على تغيير حياتنا، ربما يجدر بنا أن نسأل أنفسنا سؤالاً أكثر بساطة: هل ما زلنا نتحدث كما كنّا؟
السؤال استوقفني وأنا أتابع جلسة «الذكاء الاصطناعي في خدمة الأسرة.. تقنية تجمع ولا تفرق»، التي استضافها قبل أيام مجلس محمد بن حمد الشرقي في الفجيرة، ضمن فعاليات «أيام الفجيرة للشباب»، وبالتزامن مع «عام الأسرة». فقد طرحت الجلسة الذكاء الاصطناعي، بوصفه أداة يمكن أن تخدم الأسرة، في التعليم والرعاية الصحية وتنظيم شؤون الحياة اليومية، مع التأكيد على الاستخدام الآمن والمسؤول، وحماية الخصوصية، وعدم السماح للتقنية بأن تتحول إلى بديل عن القيم والعلاقات الإنسانية.
لكن المفارقة اللافتة أن هذه الدعوة إلى استخدام التقنية لتقوية الأسرة تأتي في وقت تكشف فيه دراسة علمية عن تراجع الكلام المنطوق في الحياة اليومية.
الدراسة، المنشورة في مجلة «بروسبيكتف اون فيسلوجيكال ساينستشير» إلى أن متوسط عدد الكلمات التي ينطقها الإنسان يومياً انخفض بنحو 30 % مقارنة بما كان عليه قبل نحو عقدين. والأكثر إثارة أن الانخفاض يبدو أوضح بين من هم دون الخامسة والعشرين. والباحثون لا يقولون إن الناس أصبحوا أقل تواصلاً بالضرورة، بل إن جزءاً من تواصلنا انتقل من الصوت واللقاء المباشر إلى الرسائل والشاشات والمنصات الرقمية.هنا تكمن المسألة.
التقنية لا تسرق منّا الكلام دفعة واحدة، وإنما تفعل ذلك بهدوء. طلب الطعام لم يعد يحتاج إلى حديث، والتسوق يمكن أن يتم بلا كلمة، والرسالة النصية تختصر مكالمة، والمساعد الذكي يجيب قبل أن نضطر إلى السؤال. حتى داخل البيت، قد يجلس أفراد الأسرة في المكان نفسه، لكن كل واحد منهم يعيش في شاشة مختلفة.
وليس المقصود أن نضع الذكاء الاصطناعي في مواجهة الأسرة أو أن نرفض أدوات المستقبل. العكس هو الصحيح. المطلوب أن نستخدم التقنية بذكاء، وألا نسمح لها بإلغاء المساحات التي لا تعوضها التكنولوجيا: حديث الأب مع ابنه، وحكاية الأم، ونقاش الأسرة حول مائدة الطعام، وسؤال «كيف كان يومك؟» الذي قد يبدو بسيطاً، لكنه أحياناً أهم من ألف إجابة آلية.
الذكاء الاصطناعي يمكنه أن يساعد الأسرة على إدارة الحياة، لكنه لا يستطيع أن يعيشها بالنيابة عنها.
وربما يكون التحدي الحقيقي في المستقبل ليس أن نعلّم أبناءنا كيف يتعاملون مع الذكاء الاصطناعي فحسب، بل إن نحافظ أيضاً على قدرتهم على الكلام، والإصغاء، والحوار.
وفي زمن تتطور فيه الآلة بسرعة مذهلة، قد يصبح الحفاظ على إنسانية الحديث أعظم ما نحتاج إلى تعلمه.


